أفلام وثائقية عراقية حديثة الإنتاج
مواضيع إنسانية حسّاسة ومهمّة في قوالب بصرية عادية لأرشفة الحكايات
نديم جرجورة
2011.06.07 - احتل النتاج البصري العراقي الحديث (2010 ـ 2011) مكاناً بارزاً في المسابقة الخليجية الرسمية (الروائية الطويلة والوثائقية تحديداً) الخاصّة بالدورة الرابعة (14 ـ 20 أبريل/ نيسان 2011) لـ"مهرجان الخليج السينمائي" في دبي. أفلام عدّة، ومواضيع مختلفة: تداخل بين الثقافي/ الفني والسياسي/ الإنساني. استعادة تاريخ دموي، وتوغّل في راهن عنيف. الاشتغالات السينمائية لم تبلغ كلّها مرتبة الإبهار الإبداعي، على نقيض المواضيع المختارة. ذلك أن المواضيع المختارة بدت أقرب إلى الأرشفة البصرية لتفاصيل وعناوين وتحوّلات، في حين أن الشكل الخارجي ظلّ أسير التبسيط والعاديّ، غالباً. وهذا لا يُسقط عن النتاج البصري العراقي الحديث أهميته الإنسانية، وانفتاحه على الأسئلة الصعبة. أضف إلى ذلك أن مسائل كردية طُرحت، وأن مخرجين أكراداً (من العراق وسوريا وإيران) وثّقوا قصصاً متعلّقة بالذاكرة الجماعية الخاصّة بالأكراد أولاً، وبأكراد العراق ثانياً.
لم يكن العراق حاضراً في الجانب الوثائقي فقط. ففي مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، التي ضمّت ستة أفلام فقط أُنتجت كلّها في العام الفائت، باستثناء الفيلم السعودي "المؤسَّسة" لفهمي فاروق فرحات (له أيضاً "ليلة عمر" في مسابقة الأفلام الوثائقية، تناول فيه موضوع الزواج الحجازي وما يحتويه من تقاليد راسخة في الوجدان الشعبي) المُنتج في العام الحالي، عُرضت أربعة أفلام عراقية، اثنان منها سلّطا ضوءاً بصرياً على الواقع الكردي والحياة اليومية الخاصّة بالأكراد، هما: "أزهار كركوك" لفاريبورز كمكاري (المولود في إيران لعائلة من أصول كردية) و"حي الفزاعات" للعراقي حسن علي محمود، بالإضافة إلى فيلمي "الرحيل من بغداد" لقتيبة الجنابي و"المغنّي" لقاسم حول (هناك سبعة أفلام روائية قصيرة أيضاً). بهذا المعنى، بدا أن العراق استعاد حيويته الفنية، وأن المخرجين العراقيين مستمرّون في الغرف من وقائع الحياة اليومية ما يُعينهم على ابتكار أشكال بصرية للتعبير والمقاربة والتحليل والأرشفة. والأرشفة، إذ وسمت الأفلام العراقية هذه بسمة جوهرية مرتكزة على استعادة الماضي وضبطه في صُوَر مؤثّرة وشهادات حيّة من أرض الواقع، بدت متلائمة والمناخ السياسي والتحوّل الإنساني اللذين يعيشهما العراق وأهله حالياً. فالأفلام مرايا، انعكست عليها ومن خلالها أشياء عديدة خاصّة بالوجدان والانفعال والوعي والتنقيب في عمق الأرض عن تاريخ وحكايات. هذا، بحدّ ذاته، يُحسب للمخرجين العراقيين، من دون أن يعني التغاضي عن بهتان الصورة الإبداعية، والتخلّي عن الجانب الفني لمصلحة الحكاية.
كثرة الإنتاج لا تؤدّي إلى وفرة في الإبداع. هذه مسلّمة بديهية. ومع النتاجات العراقية المذكورة، تأكّدت هذه المسلّمة، بـ"فضل" التصادم الحاصل بين كَمّ الأعمال المُنتجة وقلّة الإبهار. الأمثلة الوثائقية عديدة، لكن ملاحظات أولى يُفترض بها أن تُقدِّم صورة حسّية عمّا يجري في العراق وحوله وعنه، بعيون عراقية، أو بانفعالات أجنبية واكبت التحوّل، ولا تزال تُعاين أبعاده وتأثيراته. فالمواضيع كلّها مهمّة، إلى درجة أن طرح أسئلتها ملحّ وضروري. لكن المأزق الأول كامنٌ في أن المعالجة الدرامية، سواء تلك الخاصّة بالروائي الطويل أو الوثائقي، لم تكن على المستوى نفسه من أهمية المادة المختارة. بالإضافة إلى هذا، فإن اختيار عناوين الأفلام لم يكن موفّقاً في غالب الأحيان، إذ بدت هذه العناوين بعيدة عن أي حسّ سينمائي يعكس شيئاً من مخيّلة الإبداع. في المقابل، لم يذهب المخرجون جميعهم إلى قلب العراق، لأن قاسم عبد اتّجه صوب السودان في "أجنحة الروح"، ليغوص في طقوس صوفية تُقام بالقرب من مرقد الشيخ حمد النيل، في المدينة السودانية الشهيرة أم درمان. تماماً كما أن المخرجين فلاح حسن ومناف شاكر ورعد مشتت وجدوا في الشقّ الفني البحت (السينما إلى فيلم الثنائي حسن وشاكر "قبل رحيل الذكريات إلى الأبد"، والمسرح في "موت معلن" لمشتت) طريقاً إلى ربط الماضي بالراهن، وأداة لفهم الآنيّ من خلال سرد الحكاية كلّها. هذا لا يُلغي ظهور السياسي والأمني والاقتصادي في عراق اليوم، ومآزق الحياة اليومية أيضاً. فالفن جزء من الحياة، والفن العراقي أُصيب بضربات موجعة إثر سقوط الطاغية صدام حسين، كما واجه آلام الإبداع في ظلّ حكم البعث العراقي السابق. لهذا، بدا فيلما "قبل رحيل الذكريات..." و"موت معلن" بمثابة تحية مزدوجة: أولاً للإبداع العراقي الرائد في المنطقة العربية، خليجياً ومشرقياً معاً. وثانياً للتاريخ الحيّ الذي صنع أسماء لامعة أنتجت أعمالاً باهرة ومهمّة.
السينما ودورها في العراق كانت محور فيلم هولندي الإنتاج، أنجزته شوشين تان بعنوان "مدرسة بغداد للسينما". والعنوان، المستلّ من اسم المدرسة التي أسّسها العراقيان المقيمان في لندن قاسم عبد وميسون باججي في بغداد في صيف العام 2003، يُحيل على المشهد العراقي الراهن، كامتداد بصري لما سرده حسن وشاكر في "قبل رحيل الذكريات..."، الذي استعاد قصّة السينما منذ بداياتها، ووثّق بعض أبرز محطّاتها. في حين أن "مدرسة بغداد للسينما" حافظ على علاقته بتجربة الثنائي عبد وباججي، في مدرسة درّبت مهتمّين شباب بالصورة المتحرّكة، في مرحلة انتقالية عسيرة وحادّة وعنيفة، عاشها العراق في المفصل بين انهيار نظام سابق وبداية احتلال عصيب. شكّل المسرح والسينما العراقيان جزءاً أساسياً من تاريخ البلد، كما من تاريخ المنطقة. لهذا، قرّر المخرجون الأربعة هؤلاء الذهاب إليهما، إما بهدف استكشاف الماضي، وإما بهدف فهم (أو محاولة فهم) الراهن. داخل قاعة مسرح "فرقة المسرح الحديث" مثلاً، نفض رعد مشتت بعض الغبار العالق على الذاكرة والمقاعد والخشبة، برفقة ممثلين ومخرجين مسرحيين عراقيين (أبرزهم يوسف العاني وجواد الأسدي، وغيرهما). وفي كواليس الدراسة والتدريب الميداني، أضاء "مدرسة بغداد للسينما" تجربة العمل الفني في الظروف الصعبة، برفقة شباب أرادوا الكاميرا أداة تعبير، والعدسة نافذة خاصّة بهم للإطلالة على العالم، بعد التوغّل معها في ثنايا الذات والروح. والتاريخ السينمائي حاضرٌ في "قبل رحيل الذكريات..."، بما يتناسب وإنجاز شيء من التكامل في أرشفة الواقع السينمائي العراقي الحالي، والإضاءة على حماسة شبابية للعمل البصري.
يُمكن مشاهدة الأفلام الوثائقية العراقية أن تؤدّي إلى تقسيم شكلي، يُساعد على القراءة النقدية: هناك أولاً الإنتاج العراقي لأفلام أنجزها عراقيون وغير عراقيين عن العراق وبعض ناسه ووقائعه، المتمثّل بلائحة تضمّ خمسة أفلام، هي: "الأنفال ـ شظايا من الحياة والموت" للكردي السوري مانو خليل (عن حرب الأنفال وجريمة حلبجة وتداعياتهما في السياسة والحسّ الإنساني والعلاقة الصدامية بين المجتمعين الكردي والعربي)، و"قبل رحيل الذكريات إلى الأبد" للثنائي حسن وشاكر العراقيين، و"كولا" للعراقي يحيى حسن العلاق (عن صعوبات العمل اليومي، من خلال شخصية جنان، ابنة الأعوام العشرة، التي تتنكّر بزيّ صبيّ كي يتسنّى لها كسب قوتها بصعوبة)، و"موت معلن" للعراقي مشتت، و"وداعاً بابل" للعراقي المقيم في باريس عامر علوان (أدّى أحد الأدوار الرئيسة في "المغنّي" لقاسم حول). هناك ثانياً الإنتاج الأجنبي/ العربي لأفلام عن العراق، ويضمّ أربعة أفلام: "أينما نعيش" (الولايات المتحدّة الأميركية) لفادي حدّاد، و"طفل العراق" (الدانمارك) لعلاء محسن (عُرض في افتتاح الدورة الرابعة)، و"مدرسة بغداد للسينما" (هولندا) لتان، و"فوتون" (المملكة العربية السعودية) لعوض الهمزاني (عن المصوّر الفوتوغرافي العراقي سفيان الخزرجي، المقيم في السويد منذ سنين عديدة). أخيراً، هناك فيلم "أجنحة الروح" لعبد.
العودة إلى العراق، أو الهروب منه: عنوانان أساسيان يختصران "الحكاية الأصلية" كلّها. "طفل العراق" نموذج العودة، و"أينما نعيش" نموذج الهروب (أو "الخروج" كتعبير مخفّف للمعنى الأصليّ للحكاية). فيلمان متشابهان من حيث كونهما أقرب إلى رحلة في الجغرافيا والروح منها إلى أي شيء آخر. العودة قدرٌ لمن غادر البلد باكراً. الهروب قدرٌ أيضاً لمن واجه الموت بعينيه، وأُصيب به في روحه. اللعبة بين الطرفين النقيضين تشكّلت بالقهر والألم والخوف والرغبة في الانعتاق من بؤس اليوميّ. علاء محسن عاد إلى بلده للتعرّف عليه، فصوّر مقتطفات من زيارته الأولى هذه بعد ستة عشر عاماً من الغياب في الدانمارك. والعودة دعوة صريحة إلى مكاشفة الذات والآخر، لكنها اصطدمت بموت الأم، فكان الانهيار. الاشتغال البصري عاديّ للغاية، لأنه اتّسم بتقنية "أفلام منزلية"، في مقابل عمق الحكاية المتشابهة بين آلاف العراقيين العائدين. تماماً كما أن حكايات الخارجين/ الهاربين متشابهة بين بعضها البعض، هي أيضاً: في "أينما نعيش"، المشغول بتقنية تلفزيونية عادية، حاول الانضمام إلى لائحة طويلة من تلك الأفلام التي لا تخرج عن إطار واحد: لقاء شخص أو أكثر، وإتاحة الفرصة أمامه لقول ما يريد عن الماضي والواقع والهروب والنجاة بالنفس من أجل العائلة. الفيلمان متشابهان، لأنهما ظلاّ تقريريين، من دون إضافة أي جديد، شكلاً أو مضموناً. وهذه مسألة أساسية بالنسبة إلى الأفلام العراقية كلّها: هناك صعوبة في العثور على الجديد المبتكر في صناعة الصورة. صعوبة بدّدها الموضوع المختار في "وداعاً بابل": الذهاب برفقة جندي أميركي في رحلته الخاصّة إلى العراق، حيث الثقافة والحضارة والإبداع في بابل العريقة، وحيث الصداقة أقوى من الصِدَام، وحيث حقيقة الواقع ماثلةٌ أمام الأميركي، تماماً كمثولها أمام العراقيّ. الكلام السياسي الأميركي واضحٌ: هناك من انتبه سريعاً إلى تزييف الحقائق من قبل الإدارة الأميركية. هناك من غشّ وأقنع كثيرين بأن ما فعله حقيقيّ. هناك من رأى بعينيه وعاش بروحه روعة الحضارة العراقية القديمة. هناك، في المقابل، من لا يزال مصدّقاً أكاذيب الإدارة. وهناك، أخيراً، بؤس الحياة اليومية في عراق ما بعد صدام حسين. علاقة الجندي الأميركي بصديقه المترجم العراقي جميلة وسلسة وبسيطة. الحوار بينهما أمام كاميرا عامر علوان ارتكز على تبادل الرسائل بطريقة غير مباشرة. لكن الموت قتلاً مصير المترجم، لأنه تعاون مع المحتلّ. والمحتلّ قاتل من نوع آخر، لأنه انتقل من حالة إسقاط النظام إلى مرحلة الاحتلال.
هذه نماذج عراقية حديثة الإنتاج، وهي، إذ ذهبت عميقاً في انتشال المواضيع من أعماق الحياة اليومية والذاكرة المُشبعة قهراً وتمزّقاً وألماً وخيبات، رسمت لوحة إنسانية قاسية، لا تختلف أبداً عن قسوة المعاناة التي عاشها العراقيون، عرباً وأكراداً. معاناة كهذه محتاجة إلى كَمّ هائل من الصُوَر لأرشفتها وحمايتها من الاندثار في النسيان أو اللامبالاة، لكنها محتاجة أيضاً إلى صقل الموهبة، وتمتين الاشتغال الفني، والانتقال من "الكمية" إلى "النوعية" القادرة على أن تكون "مرحلة تأسيسية جديدة" لسينما عراقية راسخة في القدم والوجدان.
سينمائيون ونقّاد عراقيّون حاولوا الإجابة عليه: هل بدأت السينما العراقية الحالية من الصفر؟


