مهرجان غوتنبرغ السينمائي الـ35 يحتفي بالسينما العربية

مهرجان غوتنبرغ السينمائي الـ35 يحتفي بالسينما العربية

غوتنبرغ -  قيس قاسم

2012.02.02 - منذ انطلاقة "الربيع العربي" ومع ظهور أُولى الأفلام التي وثقته أو مَست جانباً منه، مهما صغر، تتهافت المهرجانات السينمائية، عربية كانت أم عالمية، للحصول عليها وعرضها وسط أجواء احتفالية تتجاوز، أحياناً، المنجز السينمائي نفسه إلى الإعلان عن مواقف تضامنية مع الحراك الجماهيري قبل غيره. لهذا السبب وحتى الساعة لم تظهر نتاجات مهمة على مستوى الصنعة في معظم المهرجانات إلا القليل، وهذا أمرٌ متوقع من أعمال تسبق حماسة صُناعها التسجيل والعمل بل دراستهم المعمقة أو التأمل الجاد في مادتهم المقترحة للبحث البصري، فتأتي النتائج، غالباً، متعجلة وأعمالهم أقرب الى ريبورتاجات تلفزيونية، بفارق أن الطلب عليها، وبخاصة في المهرجانات السينمائية، وحتى الكبيرة منها، كبير. يحذو مهرجان غوتنبرغ السينمائي الدولي حذو المهرجانات الأخرى في دورته الخامسة والثلاثين (27 كانون الثاني/يناير- 6 شباط/فبراير، 2012) في توجهه نحو السينما العربية، مع تَميّز يشفع له ويجنّبه الوقوع في التشابه الخطر، إذ وضع برنامجاً كاملاً فيه ما يزيد عن عشرين فيلماً موزعة بين إستعادات كلاسيكية وأفلام المرأة الى جانب أفلام الربيع العربي الجديدة، مما يمنح البرنامج طابعاً احتفائياً بسينما المنطقة أكثر منه تعبيراً عن تضامنها مع ما يجري اليوم فيها من حراك. كذلك، أضفى كلام الضيوف العرب في الندوات المفتوحة حيوية، كما ساهمت، موضوعياً، أسئلة الجمهور في الذهاب أبعد من الآني صوب معرفة تاريخ الفن السابع عندنا وتطوره.

"وقائع سنوات الجمر" (1974)

"1/2 ثورة".. "كلمة حمراء"

من بين الأفلام الوثائقية المصنوعة بخصوصية سينمائية، والمعروضة في الدورة ضمن خانتين منفصلتين هما: الدنماركي "1/2 ثورة" لمحمود شرقاوي و"كلمة حمراء" للتونسي إلياس بكار. اشتغل الأخير على الصورة وجمالياتها مبتعداً قدر المستطاع من تصوير المشاهد الحية المشوشة والمهتزة، مُركزأ بدلاً منها على توفير مشاهد سينمائية مسجلة وفق تسلسل منطقي لمسار أحداث الثورة في تونس. فبكار لم يهتم كثيراً بتسجيل اللحظة التاريخية قدر اهتمامه بتوصيف واقع تونس قبلها وكيف لعبت الظروف الموضوعية دوراً في تفجيرها إلى جانب "الكلمة الحمراء" التي بلورت وعياً بضرورة التحرك نحو الخلاص. أهم ما في هذا الوثائقي ذهابه إلى مناطق تونسية أخرى، شهدت حراكاً سياسياً معارضاً لبن علي وسلطته، لم يشر إليها الإعلام ولا القنوات التلفزيونية كفاية، من دون تخليه طبعاً، إلا في لقطات قليلة، عن استخدام ما توفرة له الكاميرا من قدرات جمالية تدعم رؤيته الإخراجية لصناعة فيلم وثائقي يستوفي شروطه الفنية قبل السياسية والدعائية. قريباً منه، وان باختلاف كبير في شروط العمل ومستلزماته، تمكّن الدنماركي الفلسطيني الأصل محمود شرقاوي وبكاميرا ديجيتال صغيرة من تصوير مشاهد فيلمه، قريبة من الدراما، في ذروة الصراع بين المتظاهرين في ساحة التحرير والسلطة المصرية. عنوان فيلمه، "½ ثورة"، مستفز، يوحي بالنقص، أو في أقل تقدير الإقرار بأنها لم تكتمل بعد، وعليها كي تستحق إسمها قطع نصف طريقها المتبقي. هكذا يوحي الإسم، وسيتطابق معه المضمون في مسار تطور أحداث الوثائقي. لا يدّعي شرقاوي استشرافاً ولا تخميناً نظرياً لمآل الثورة المصرية بقدر ما يسجل يوميات شخصية شارك في تدوينها مع عرب وأجانب جمعتهم صداقات وقرابة، وحب القاهرة الذي أتى بهم للإقامة فيها. بمحض الصدفة، تزامن توقيت تواجدهم في القاهرة مع اندلاع ثورة يناير، فما كان منهم إلا التعاطف بل المشاركة فيها وإن عن بعد، فيما استغل شرقاوي وصديقه كريم الحكيم الكاميرا التي بحوزتهم وموقع شقتهم القريب من الساحة لتصوير أدق تفاصيلها، وتفاصيل حياتهم فيها. لهذا جاء "1/2 ثورة" قائماً على الكثير من الشخصانية وربما بسببها توفرت للفيلم قوة تماسك داخلية سمحت لأصحابها بالتحرك بحرية أكبر والتحرر من ضغط تسجيل الوقائع الملح، الى المشاركة في صنعها سينمائياً، وبهذا قد يكشف عنوان الفيلم معنىً آخر مبطناً يشير إلى نهاية مشروع شخصي للإقامة في بلد أحبوه لكن مسار ثورته، التي وجدوا أنفسهم في خضمها، قد وصلت الى منتصف طريقها في اللحظة التي تدخل الجيش فيها وأخذ زمام القيادة والتحكم بمسار الأحداث، فما كان منهم حفاظاً على أرواحهم وعوائلهم إلا التفكير بالعودة من حيث أتوا. عادوا الى أوطان ثانية ليست هي أوطانهم الأم، لكنها تبقى على الأقل مأوىً يحميهم ويعينهم على استكمال ما تبقى من أعمارهم والأمل، قبل نهايتها، برؤية ثورتهم وقد أنجزت نصف طريقها المتبقي في مصر. فيلم شرقاوي عرض ضمن خانة "ضوء إسكندنافي" وهذا العام سُلط على الدنمارك التي عرضت للشرقاوي وضمن حصتها فيلماً ثانياَ بعنوان "مع السلامة جميل". ومن المفارقات ان "الغيرة" السويدية من السينما الدنماركية تجد تجلياتها في اهتمام الجمهور "الخاص" بما تقدمه من جديد كل عام في المهرجان أو خارجه، يشاركهم فيه النقاد أيضاً. ففي هذة الدورة أثيرت مسألة تخلف السويد عن جارتها في الإنتاج السينمائي الخاص بالأطفال والشباب وأخذ النقاش طريقه الى وسائل الإعلام بعد دراسة قدمها أحد النقاد في ندوة خاصة عن السينما الدنماركية، بَيَّن خلالها وبالمقارنة ضعف النتاج السويدي وأسبابه.

على المستوى الروائي، قدم البرنامج العربي بعض الجديد مثل "حبيبي راسك خربان" للفلسطينية سوزان يوسف وفيلم المصري هشام عيساوي "الخروج"، إلى جانب أفلام عرضت في مهرجان أبوظبي الأخير، منها المغربيان "على الحافة" لليلى كيلاني و"أيادٍ خشنة" لمحمد عسلي، والوثائقيان "إل غوستو" لصافيناز بوصبايا و"في أحضان أمي" لعطية ومحمد جباره الدراجي. فيما استردت الإستعادات مباهجها بفضل تقنيات العرض المتطورة في أغلب الصالات السويدية فتحولت مشاهدة  للأخضر حامينا و"باب الحديد" (1958) ليوسف شاهين و"معركة الجزائر" (1966) لجيلو بونتيكورفو وغيرها إلى متع حقيقية.