الدورة الثانية والستون لمهرجان برلين السينمائي
مقاربات تاريخية واحتفاء بالسينما العربية الجديدة
زياد الخزاعي
2012.02.08 - للوهلة الأولى، يبدو تفاخر "البرلينالي"(التسمية الرسمية لمهرجان برلين السينمائي الدولي)، الذي تنعقد دورته الثانية والستون بين التاسع والتاسع عشر من شباط /فبراير الجاري، بضمانته مشاركة 17 فيلماً (من بين 22 شريطاً) كعرض عالمي أول ضمن مسابقته الرسمية، هو غمز ومناكفة إلى غريمه المتعاظم القوّة والنفوذ في كان الفرنسية، إذ إن الأخير لا يحتاج إلى مثل هذا الإعلان، فهو بسوقه الكبيرة وهرجه الإعلامي قادر على مقايضة المنتجين وشركاتهم الكبرى وابتزازهم، وفوق هذا كله يضمن إغواء السعفة الذهبية وأمجادها وجوائز الـ"كروازيت" التي لا تُضاهى.

لا سبيل أمام "قيصرالبرلينالي" ديتير كوسليك الذي ضَمَن عقداً لترؤس الإحتفال الألماني الأكثر شهرة أعواماً أخرى مقبلة، سوى أن يجمع ما هو أفضل للخانة الرئيسية، وهذا حقه الكامل حيث إن سكاكين النقاد والصحافيين وأشباههم تتحين الفرصة للطعن بالإختيارات ونوعيتها. فهؤلاء في نهاية المطاف يصرفون أموالاً معتبرة لمشاهدة عروض يجب أن تكون على قدر من الأهمية لكتاباتهم ومزاجياتهم المتضاربة، والتي في أحايين كثيرة تحمل من عصابيتها الكثير، بيد أن هناك أمراً لا تُصيب سهامه رِّضا الجميع، والكامن في ان تجميع كوسليك لقائمته لا يخضع إلى منهجية أو توظيب عنواني يجمع بعض الأفلام ضمن توجه ما، كأن يقول أحدهم انها دورة نسوية أو ان عنوانها أزمة إنسان او ما شابه، وقد يحبط هذا البعض. إلا أن الأمر يعكس أزمة اختيار في المقام الأول. فهل من الناصح لفريق كوسليك أن ينتظر برمجة تستهدف عنواناً إجماعيا أم أن يضمن "عروض عالمية أولى" كي يبرر شهادته كمهرجان رفيع المقام؟ يبدو أن القرار الأخير هو الأضمن وليس بالضرورة الأسهل.
لا ريب ان "البرلينالي" يمتاز عن أقرانه الأوروبيين بكونه مهرجاناً جماهيرياً بمعنى الكلمة. أولاً، لأنّه يُنظم في عاصمة كبيرة مشهود لسكانها بالثقافة وحب المعرفة. ثانياً، إنه يستهدف جمهوراً عادياً يتنامى عدده في كل دورة، وليس نخبة إعلامية على منوال كان أو البندقية. ومن المدهش حقاً رؤية الإصطفاف الصباحي الباكر على شبابيك التذاكر التي تشي بتهافت جمهور برلين وحرصه على مشاهدة عناوين دولية متضاربة الحكايات والقيم الفنية، ليتحول فعل المشاهدة إلى طقس معرفي مشع. عليه، فإنه يكون من اليقين الإيمان بأن فريق كوسليك يعي حجم مسؤولية الإختيارات التي ستُقدم إلى جمهور راقٍ. فوق هذا، إن "البرلينالي" عبارة عن صيغة إجماع سينمائي يُعلن بصوت عال وحدة مدينة عانت من التقسيم على مدى سنوات طويلة، وما اختيار منطقة بودستام المحاذية لجدار التقسيم السيء الذكر سوى العلامة الخلاقة لمدينة تعلن بشجاعة موت عزلتها إلى الأبد، ليس بخطاب باهت بل عبر صورة السينما وحكايتها الإنسانية المتلبسة برداء السياسة في معظم الأحايين.
السينما العربية
في العام الماضي كان الحراك داخل أروقة المهرجان مضموناً للمخرج الإيراني جعفر بناهي (له "البالون الأبيض"(1995) و"الدائرة"(2000)) والذي يخضع إلى قهر تسلطي واحتجاز منذ أعوام. فيما شدّ فريق كوسليك همّته في الدورة الحالية ليحوّل الربيع العربي إلى أكبر تظاهرة سياسية أوروبية مع تخصيصه فقرات عروض وندوات وملتقيات تساجل في أحوال السينما والموارات السياسية التي اجتاحت العالم العربي ومازالت مستمرة. هناك ندوتان ضمن "ملتقى (كامبوس) المواهب الشابة" الأولى تحت عنوان "نداء بيروت: فن الفيديو المعاصر من لبنان" بمشاركة المخرجين محمود حجيج وأحمد غصين وغيث الأمين. والثانية حول "دفاع العالم العربي من أجل مستقبله" بمشاركة الروائي المغربي الطاهر بن جلون والسينمائيتين التونسية نادية الفاني والمصرية ـ الالمانية فيولا شفيق. فيما يشرف "صندوق دعم السينما العالمية" على ندوتين مقابلتين هما "نظرة على سورية" بمشاركة سينمائيين وصحافيين سوريين. والثانية "توثيق ثورة" بحضور اللبنانية هانية مروة والمصرية هالة جلال ومواطنتها نورا يونس وغيرهن.
وضمن خانة "فوروم"، هناك ملتقى عنوانه "القاهرة، المدينة، الصور، الأرشيف"، تتبعه عروض سينمائية قصيرة منها "كما يقولون" للمغربي هشام عيوش و"باي باي" للمصري بول غيدي و"الملك فقد أسنانه" لللبناني غيث الأمين و"أبي مازال شيوعيا" لمواطنه أحمد غصين.
الأهم فوق هذا، هو الكم اللافت من العروض السينمائية العربية التي تعد الأعلى عدداً في تاريخ المهرجان، الأمر الذي يكشف الحجم الكبير لهذه الإلتفاتة الألمانية . من العروض نذكر الآتي: في خانة "بانوراما" التي تأتي بعد المسابقة بالأهمية والإهتمام سيُعرض جديد المغربي الموهوب فوزي بنسعيدي "بيع الموت"، اضافة الى شريط "ولاية" للاسباني بيدرو بيريزروزادو واللذين سبق عرضهما في مهرجان أبوظبي السينمائي الأخير. هناك ايضا عرض لفيلم "شقيقي الشيطان" للمصرية ـ الويلزية سالي الحسيني الذي حصد اهتماما اثر عرضه في مهرجان ساندانس الأميركي الأخير، و"في ظل راجل" للمصرية حنان عبد الله و"العذراوات والاقباط وانا" لمواطنها نمير عبد المسيح و"كلمات شاهد" لمي اسكندر واخر للبريطاني شون مكليستر. وضمن فقرة "فوروم"، سيعرض الشريط المميز "الجمعة الأخيرة" للأردني الموهوب يحيى عبد الله بعد فوزه بجائزتين في مهرجان دبي السينمائي الأخير. وفيما يخص العروض الخاصة، هناك "أبناء الغيوم" للإسباني ألفارو لونغوريا عن الصراع في الصحراء الغربية، وشريط المخرج المصري بسام مرتضى "الثورة ...خبر" عن ثورة 25 يناير. ويكتمل الحضور العربي مع مشاركة بعض الاسماء في لجان التحكيم مثل الروائي الجزائري بوعلام صنصال (التحكيم الدولية) والفلسطينية إميلي جاسر (الفيلم القصير) وصاحبة صالة "متروبوليس" اللبنانية هانية مروة (الشريط الروائي الأوّل).
كعادته، ضَمَن المهرجان أوروبية مسابقته (لجنة التحكيم ستكون برئاسة صاحب "أسرار وأكاذيب"(1996) المعلّم البريطاني مايك لي وعضوية المخرجين الإيراني أصغر فرهادي صاحب "انفصال نادر وسيمين" والهولندي انتوان كوربيان مخرج "الأميركي" مع جورج كلوني والفرنسي فرانسوا أوزون ("8 نساء") ومواطنته الممثلة شارلوت غينسبورغ وزميلها الأميركي جاك غيلينهال والالمانية باربرا سوكوا) بما هو عُرف لا يحيد عنه يتماشى مع امتداد مهرجاني يستكمل نظيراته في كارلوفي فاري التشيكي وتسالونيكي الاغريقي وروتردام الهولندي. وتعد أوروبيته بمثابة حصانة ثقافية
ودعم مضمر لصناعة تُجاهد بعزم لمواجهة اكتساحات هوليوود التي تتعزز بحجج تقنية عالية الجودة، تضمن تسيّدها شبه الدائم لأسواق العروض واتخامها بعناوين تجارية، لعل آخرها صرعة تقنية الأبعاد الثلاثة التي شاكسها "البرلينالي" بحنكة وحُسن حظ في آن، عبر إدراجه جديد الألماني المميز فيم فيندرز "بينا" في مسابقة العام الماضي قبل أن يجد طريقه لاحقا للعرض ضمن فعاليات مهرجان أبوظبي السينمائي الأخير، ويثبت ان هذه التقنية قابلة للتطويع من أجل تقديم نص ثقافي إبداعي، وليس فيلماً محكوماً بمغامرات مخلوقات غرائبية وابهار صوري بائر. وبمناسبة النكاية بهذه التقنية التي بدأت تُشيع كثيرا، خصص فريق كوسليك ضمن العروض الموازية خياراً صينياً هو جديد المخرج هارك تشوي "السيوف الطائرة لبوابة التنين" الذي يسرد حقبة من تاريخ صراع سياسي بين سلالات امبراطوريات متشاحنة على السلطات والجاه والدم قبل قرون غابرة، وفيه تنويع متجدد لما صنعه في "كان يا ما كان في الصين"(1992) و"المحقق دي وسرالشعلة الشبح"(2010) الذي اختتم مهرجان أبوظبي السينمائي الرابع. هذا من دون ان نغفل الاستكمال التاريخي الصيني الاخر ضمن المسابقة للمخرج وانغ كوانان وعنوانه "هضبة الأيل الابيض" المقتبس عن رواية شهيرة لتشن زهونغشي التي طالها المنع سنوات طويلة بحجة تضمنها مشهديات ايروتيكية. يتصدى الفيلم على مدى 188 دقيقة لأكثر الحقب السياسية ظلاماً والتي توازت تعقيداتها مع فصول الحرب الأهلية والإجتياح الياباني اللاحق للبلاد. تدور الأحداث حول شابة تجد نفسها بين نار حقد عائلتين نافذتين وسعيهما الى الانتقام في مقاطعة تمور بتحول تاريخي دموي. هناك مشاركة صاحب "إرفعوا الفوانيس الحمراء" (1991) الصيني الكبير زانغ ييمو وجديده "زهرات الحرب"(141 دقيقة) الذي سيعرض خارج المسابقة، وتدور أحداثه غداة الإحتلال الياباني في العام 1937، ويصور سعي مجموعة من اليافعات الصينيات الوصول إلى أمان أهاليهن، بيد إن اشتداد المعارك يضطرهن إلى اللجوء إلى كاتدرائية وينشيستر وسط العاصمة المنكوبة حيث يلتقين بعالمين متناقضين: الرجل الأميركي جون ميللر (كريستيان بايل) الذي يتنكر بزي قس للهرب من القساوة اليابانية، ومجموعة من بائعات الهوى اللواتي آثرن البقاء بين جدران البناية بعيداً عن شبق جنود الاحتلال.
وفي سياق المقاربات التاريخية هذه، تُفتتح الدورة بجديد صاحب "فيلا أماليا"(2000) المخرج الفرنسي ذائع الصيّت بينوا جاكو "وداعا مليكتي" الذي اقتبسه عن رواية شانتال توماس بنفس العنوان، ويرصد الايام الاخيرة للملكة ماري انطوانيت (الممثلة الالمانية الاصل ديان كروغر) وانهيار مملكة فرساي 1789عام مع اندلاع شرارة الثورة الأثيرة. تُركز الحكاية على طلب الملكة من إحدى وصيفاتها التنكر بطلتها، فيما تسعى الاولى الى الهرب، قبل ان تعي الأخيرة ان "التكليف الملكي" لها لم ينطلق من المودة وانما من الإستغلال البحت ومخاتلة الموت.
على المنوال ذاته، صور المخرج الدنماركي نيكولاي أركيل (ولد عام 1972) عمله "غرام ملوكي" حول مساعى طبيب (الممثل مادس ميكلسين) للحوز على غنائم ثقيلة العيار بعد ان أعانته الظروف في الوصول الى الخط الاول المقرب من ملك الدنمارك في العام 1768. يقع البطل في عشق الملكة الشابة، قبل ان يقود حملات تجديدية للنظام البالي، الامر الذي يجيش عليه الارستقراطية النافذة وينتهي امام محكمة تعصف بسطوته وأحلامه. من بريطانيا، يأتي شريط اخر يستلهم المغامرة التاريخية من توقيع المخرجين دكيلان دونيلان ونيك أورميرود عنوانه "بيل أميل" وهو الاقتباس السينمائي الثالث (1938 و1930) لرواية الفرنسي غي دي موبسان التي نشرها في العام 1885 حول أحابيل الشاب جورج (الممثل البريطاني روبرت باتنسون نجم (ساغا) سلسلة "الشفق" الشهيرة حول مصاصي الدماء الشباب) الذي يخترق الموانع الطبقية والإعتبارات البروتوكولية للوصول الى أعلى الهرم السياسي والإجتماعي في باريس القرن التاسع عشر.
من الحافة الأوروبية، وتحديداً من البرتغال، يأتي النص الطويل الثالث للمخرج ميغيل غوميز "تابو"(محرم) عن صراع سيكولوجي بين العجوز أرورا ومدبرة منزلها الشابة بيلار. ففيما تقرر الاولى بعثرت ثروتها على طاولات القمار، تسعى الثانية الى اقتناص فرصة الحياة عبر تدوير حبها الى معشوق شاب. ومن السينما الناهضة في اليونان يعرض منجز المخرج الشاب سبيروس ستاثولوبولوس (ولد عام 1978) الذي سبق وان نال حظوة في مهرجان كان السينمائي عام 2007، حينما جدولت باكورته "بي في سي -1" ضمن عروض "اسبوعي المخرجين" ذائعة الصيت. هذه المرّة يأتي بـ"ميتورا" الشحيح بحواراته والساحر بمعالمه وطبيعته الرعوية، حول حكاية الدير المنعزل والمبني على حجارة هائلة الحجم الواقعة في محيط منطقة ثيسالي الجبلية، حيث يعيش الناسك الشاب سبيروس الذي يخوض اصطراعا بين ضميره الديني ونزعته الجسدية، حيث يقابل ديره آخر خاص بالراهبات الروسيات اللواتي لن يصلن الى الارض الا عبر شكبة تتدلى من قمة حجرية مشابهة. وما ان تقع عيناه على الفاتنة حتى تشب نيران الرغبة والخطيئة في أردان إيمانه.
المخرجة الفرنسية اورسولا ميير التي حصدت اهتماما نقديا في كان عام 2008 حينما عرضت باكورتها الصادمة "منزل"، تعود بشريطها الثاني "شقيقة" الذي تدور احداثه في المنتجعات الثلجية الثرية في سويسرا (فيلمها الاول دار حول طريق سريع يُهدد عائلة غير متطامنة قبل ان يسد الاب الابواب والشبابيك حول افرادها!). البطل يافع وشقيقته المراهقة التي يقع في عشقها شاب انكليزي متشرد، سبق ان صادق شقيقها الصغير الذي يسرق معدات التزلج من مواقع الاثرياء ويبيعها الى زبائنه في القرية. اما مواطنها فريدريك فيدو (ولد عام 1964) فيشارك بـ"الإياب الى البيت" الذي تتقاطع حكايته الصادمة مع نظيره النمساوي "ميشيل"(2011) لماركوس شلينزر حول اختطاف الأطفال. هنا، حكاية غاييل التي تجد نفسها حرة بعد اعوام طويلة من العزلة التي فرضها عليها مختطفها المجهول. مشكلتها انها لا تستطيع التصالح مع عالم انقطعت عنه، ولا هي عارفة السبيل الذي يعيدها الى الرجل الذي تربت على محنتها معه. من هنغاريا تأتي قصة عائلية مرمية في شريط المخرج الشاب بينسي فليغا واف "الريح وحسب" وسط ريف خلاب وجريمة غامضة. من اسبانيا، يتنافس صاحب "حيوات سيليا"(2006) بجديده "ألعاب صبيانية" حول إثم شخصي يعصف بالبطل دانيال بسبب تشابك مصائره مع صديق قديم يقدم على الانتحار.
يعود صاحبا "أبي سيدي"(1979) و"ليلة سانت لورنزو"(1984) الكبيران الاخوان الايطاليان باولو وفيتوريو تافياني الى الواجهة بعد الاستقبال الفاتر لشريطهما الاخير "مزرعة القُبرة"(2007) حول المجزرة الارمنية بجديدهما "قيصر يجب ان يموت"(76 دقيقة) الذي أفلما فيه مسرحية وليم شكسبير الاثيرة "يوليوس قيصر" في سجن شديد الحراسة في ريبيبا مع سجناء محسوبين على سجل الخطر الكبير، ومزجا خلال تصوير البروفات محنهم واحلامهم وبحثهم عن الغفران. في حين استدعى الفلبيني المكثر بمنجزاته السينمائية بريانت ميندوزا (ولد عام 1960) النجمة الفرنسية ايزابيل أوبير لتجسيد دور البطولة في جديده "مختطفة" الذي يتابع اقدام اعوان المنشق الاسلامي ابو سياف على مهاجمة فندق سياحي واحتجاز 11 أجنبيا من السياح والمبشرين المسيحيين واقتيادهم الى عمق غابة حيث تتكشف قوة الطبيعة وملكوتها الحسي اللتان تمتحنان ايمان الجميع سواء خاطفين ومختطفين.


