مقاربة الشخصيّ وتبدّلات بلد ومجتمع

مقاربة الشخصيّ وتبدّلات بلد ومجتمع

"أبي ما زال شيوعياً..." لأحمد غصين

نديم جرجوره

2012.02.12 - لم يكن "أبي ما زال شيوعياً، أسرار حميمة للجميع" (يُشارك في برنامج "فوروم إكسباندت" في الدورة الـ62 لـ"مهرجان برلين السينمائي" في شباط/ فبراير 2012)، الفيلم الأول للّبناني أحمد غصين الذي عكس حرفية اشتغال جمالي واضح المعالم، في المقاربة الشخصية أحوال بلد وأفراد. لم يكن البداية الإبداعية المحترفة، لأن أفلاماً عدّة سابقة كشفت مزيجاً حقيقياً بين حساسية المواضيع المختارة وبراعة الإخراج في نقل المضامين إلى صُوَر سينمائية صادمة: من "عملية رقم..." (2003) إلى "عربي قادم إلى المدينة" (2008) وما بينهما من عناوين متفرّقة، قدّم غصين (31 عاماً) اختبارات بصرية متفرّقة، بدت محاولة حثيثة لتفعيل العلاقة البديعة بين الصورة والواقع. صحيحٌ أن المعادلة القائمة بين الشكل والمضمون لم تستوف شرطها الإبداعي دائماً، لكن بعض الأفلام شكّلت محطّات متواضعة في مسار تصاعديّ، بلغ مرتبة شفّافة من المقاربة الحادّة ذاكرة فردية مفتوحة على فعل جماعي، في فيلمه الأخير هذا. فبعد "عملية رقم..." (جائزة أفضل مخرج في فئة الأفلام الروائية القصيرة في دورة العام 2003 لـ"مهرجان بيروت السينمائي")، الذي تناول فيه يوميات مقاومين لبنانيين ضد الاحتلال الإسرائيلي، انتقل إلى تفاصيل الداخل اللبناني في "210 م." (المسافة الفاصلة بين منطقتين متقاتلتين أثناء الحرب الأهلية)، إلى أحوال الهجرة العربية إلى الغرب بعد جريمة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2011، في "عربي قادم إلى المدينة" (2008)، ثم إلى البنية الإبداعية للصورة البصرية من خلال المخرجين اللبنانيين محمد سويد وغسان سلهب، في "الذي يُشبهني يكون مثلي" (2010)،. فيلمه الأخير أحد أكثر أفلامه "حميمية" وقسوة ذاتية وسجالاً عنيفاً على المستويين الخاصّ (علاقة المخرج بذاته وبوالديه وبالبيئة العامّة التي أحاطت به طفلاً صغيراً)، والعام (سؤال العلاقة هذه، بالإضافة إلى أسئلة الحرب والذاكرة والتحوّلات المختلفة التي أصابت العائلة وأفرادها أولاً، والبلد والناس وأحوالهما ثانياً).

Ahmad Ghossein

إثر عثوره على أرشيف عائلي حميم للغاية، متمثّل بأشرطة كاسيت سُجِّلت عليها حوارات من طرف واحد هو الأم، على مدى أعوام طويلة أمضاها الأب الشيوعي اليساري عاملاً في المملكة العربية السعودية، قرّر أحمد غصين مواجهة الماضي عبر الـ"مونولوغ" الطويل والقديم للأم، بحثاً في الذاكرة عن تمزّقاتها، وبحثاً عن الأب في الذاكرة هذه أيضاً. غير أن الانخراط المطلق في عمق الصدام الخفيّ بين المخرج نفسه وذاته أولاً، وبينه وبين الأم والأب (معاً، أو كل واحد على حدة) ثانياً، وبينه وبين العلاقة بين والديه ثالثاً، جعل "أبي ما زال شيوعياً..." أحد أجمل الأفلام الذاتية، الذاهبة بحبكتها إلى التخوم القصوى لأسئلة معلّقة، متعلّقة بالمخزون الإنساني الغنيّ بالتباسات وغموض وشعور بالوحدة بسبب غياب الأب. الانخراط هذا بدا شهادة ذاتية حادّة، جعلها غصين مدخلاً إلى التطهّر الذاتيّ من قسوة الماضي، كما إلى المصالحة مع الذات إزاء الماضي وأسئلته المعلّقة.

"المصالحة مع الذات. تصفية الحسابات. البحث عن معنى غياب الأب. هذا كلّه يُمكن أن يصحّ كأسباب دافعة إلى إنجاز الفيلم"، كما قال أحمد غصين: "أُضيف إليها ما يُشبه الرغبة في حلّ معضلة خاصّة بالذاكرة. بالنسبة إليّ، لم يكن أبي موجوداً دائماً. غير أن فكرة إنجاز الفيلم نشأت عند عثوري على الأرشيف المتمثّل بأشرطة الكاسيت، المتبادلة بين والديّ أثناء غربة أبي في السعودية. لا أعتقد أني كنتُ سأنفّذ مشروعاً كهذا لو لم أحصل على الأرشيف. ليس سهلاً تحقيق فيلم عن الأب أو عن الأم. المادة الموجودة حرّضتني على هذا. أردت مقاربة موضوع شخصي كهذا بالتعاطي معه على أنه موضوع غير شخصي أيضاً. لهذا، تناولت العلاقة بين الوالدين وتغييراتها، بالتوازي مع العلاقات السياسية والاجتماعية والحياتية الحاصلة في فترة الثمانينيات (زمن تبادل الأشرطة) تحديداً، وتبدّلاتها أيضاً"، أي خلال الفترة الممتدة بين عشرة أعوام وخمسة عشر عاماً: "هذه فترة كافية لحدوث تبدّلات على المستويات كافة. هذا أعانني على موازنة الذاتيّ بالعام. كانت هناك حرب واجتياح وأحوال اقتصادية وحياتية تبدّلت هي أيضاً في الفترة هذه".

في الإطار نفسه، أوضح غصين أنه أراد، منذ البداية، إنجاز فيلم عن العلاقة (والتغييرات التي طالتها) بين الأب المهاجر من أجل العمل، والأم الوحيدة مع أولادها الثلاثة من خلال التسجيلات الصوتية. لكن "أبي ما زال شيوعياً..." لم يقف عند حدود الذات وحدها، وإن امتدّ إلى العام: "هناك ذاكرة خاصّة بشباب ينتمون إلى جيل عاش ونما من دون أب. عاش ونما في كنف الأم فقط، في ظلّ غياب الأب. مع هذا، الأب موجود في جزء كبير من الفيلم. الأم موجودة طبعاً. لكن غياب الأب عنصر كبير وأساسي في الفيلم. "غياب الأب" بكل ما تعنيه الكلمة من معان أو رموز. لهذا، اخترتُ أن يظهر في الصُوَر الفوتوغرافية بالطريقة التي ظهر فيها داخل الفيلم. أي أني "تلاعبت" بالصُوَر الفوتوغرافية بإدخالي صورة الأب عليها، في الأمكنة التي يُفترض به أن يكون فيها، لكنه لم يكن فيها. أي أني أدخلته في الصُوَر الفوتوغرافية ليملأ الفراغات التي خلّفتها هجرته إلى السعودية".

إذا شكّلت التسجيلات الصوتية نواة جوهرية لـ"أبي ما زال شيوعياً..."، بهدف استعادة الماضي للتطهّر الذاتي من أسئلته المعلّقة حول الأب وغيابه، والأم وحضورها، والبلد وحروبه وتبدّلاته، فإن الصُوَر الفوتوغرافية أكملت النواة، أو بدت امتداداً طبيعياً لها: التسجيلات الصوتية أداة حوار بين أم حاضرة وأب غائب، والصُوَر الفوتوغرافية أداة استعادة لأب حاضر فيها بعد تأخّر طويل: "هذا نقاش طويل: إعادة تشكيل الذاكرة، أو إعادة ترميمها. هناك مسألة أخرى أيضاً: أعتبر أني قادرٌ على أن ألعب بالذاكرة. لديّ، كأفراد جيلي، قدرة أكبر من الجيل السابق لنا، على اللعب، أو على مقاربة الذاكرة والأشياء والتفاصيل من زوايا عدّة، على خلاف الجيل السابق لنا. أتخيّل الأمر على النحو التالي: نحن عشنا الحرب. هذا صحيح. لكن وطأتها علينا مختلفة تماماً عن وطأتها على الجيل السابق لنا. هذا ما سمح لي باللعب". أما بالنسبة إلى عنوان الفيلم، فهو جزء من حكاية اشتغاله: "الأمر واضح: "أبي ما زال شيوعياً" جزءٌ متعلّق بأبي. "أسرار حميمة" جزءٌ مرتبطٌ جداً بأمي. التسجيلات الصوتية خاصّة بها. بدأ الفيلم بما أراه في أبي: البطل. المناضل. المهاجر. هذا الجانب انتهى بغياب الأب. تسليط الضوء على جيل عاش أبناؤه في كنف الأم لوحدها. الكاسيتات مُرسلة إليه، وفيها أشياء حميمة جداً. أعود إلى الأب: إنه ما يزال شيوعياً. اليساري المنتمي إلى الحزب الشيوعي ترك لامرأته الحرية الكاملة بالنسبة إلى العلاقة بالأولاد. أسرارها مُرسلة إليه من قِبلها بشكل حميم. جئتُ أنا لأضعها أمام الجميع. هذا أثار نقاشاً طويلاً حول كيفية تناولي الأسرار تلك. حول المسافة التي أخلقها بيني كمخرج وبين المادة وناسها. أنا كمخرج لديّ هاجس إنجاز فيلم مرتكز على الأسرار الحميمة تلك.  لديّ هاجس إنجاز فيلم يتناول تاريخاً شخصياً أيضاً. حاولت، للأسباب هذه، ألاّ أتورّط كثيراً. في الوقت نفسه، هناك حساسية فائقة أمام أرشيف بات بين يديّ، كشف لي غياب الأب أكثر فأكثر. أقول غياب الأب، ولا أقصد غياب وجه شرير، بل غياباًَ مرتبطاً بهجرة الأب للعمل. كيف أتعاطى مع الأب؟ لعلّي ظلمته في الفيلم. لكنّي لم أظلمه. الصورة أنصفته".

إلى ذلك، أكّد أحمد غصين أنه لم يكترث بما آلت إليه أحوال والديه. أو بما صارا عليه الآن: "لم أكن مهتمّاً بهذا، بل بالأرشيف والذاكرة فقط. أنا تحكّمت بالأرشيف، ولم أدعه يأخذني إلى أمكنة لا أريدها. لهذا، اخترتُ تصوير المشاهد في منزل الباطون فيه واضح المعالم، كأنه يُبنى الآن. دائماً هناك باطون. مع هذا، أعترف لك أني كنتُ خائفاً إزاء هامش اللعب، على الرغم من أن هامش اللعب بذاكرة كهذه كبير. هذا ما حاول الفيلم أن يقوله. ولهذا، تلاعبت بالصُورة الفوتوغرافية. البعض اعتبر الأمر تسلية. هناك من رآه مؤذ. غير أن هذا ما أردته منذ البداية".

حوارات