برلين الـ62: السياسة والحرب في أربعة أفلام من بريطانيا وأميركا
2012.02.15 - أثار الفيلمان الأميركيان اللذان عرضا في مسابقة مهرجان برلين الثاني والستين ردود فعل مختلفة، وإن كانت التوقعات قد لعبت دوراً أكبر في حالة ستيفن دالدري مقارنةً بمواطنه الممثل والمخرج بيلي بوب ثورنتن، وإن كانت في المحصّلة جاءت أكثر لصالح الأخير. ففي جعبة الأول ثلاثة أفلام ("بيلي إيليوت"، "الساعات" و"القارىء") حظيت بالكثير من الإعجاب ونال عنها دالدري ترشيح أوسكار لأفضل مخرج. أما ثورنتن العائد إلى كرسي المخرج بعد غياب أحد عشر عاماً فتبقى تجربته الإخراجية فتية، تستدرج نسبة أعلى من التسامح، لاسيما أن جديده، "سيارة جاين مانسفيلد"، حمل طزاجة ومناخاً خاصاً ونبرة ساخرة.

عاد دالدري باقتباس سينمائي لرواية جوناثان سافران فُوِر "صاخب بشدة وقريب على نحو لا يُصدق" (Extremely Loud and Incredibly Close) الصادرة عام 2005، وفيها يروي تجربة الفقدان بعيني "أوسكار" ابن التسعة أعوام. تبدأ أحداث الفيلم في العام 2002 في اليوم الذي يطلق عليه "أوسكار" وصف "اليوم الأسوأ" حينما يفقد والده "توماس" (توم هانكس) في عملية تفجير برجي التجارة العالمية. بعيد هذا الغياب المفاجىء لوالده وصديقه الأقرب، يشرع الولد في عملية حداد وانقطاع، لا يخرجه منها سوى محاولة إلهاء نفسه بإبقاء طيف والده قريباً منه. هكذا، يقرر بعد العثور على مفتاح في خزانة والده في ظرف كتب عليه "بلاك"، أن يبحث عن سر هذا المفتاح بشكل ممنهج، يتيحه ذكاؤه الحاد والتمارين التي كان يمارسها مع والده على شكل ألعاب قائمة على البحث والتحري. يقرر "أوسكار" أن يلتقي بكل الأشخاص الذين يحملون كنية "بلاك"، سائلاً إياهم عما إذا كانت تربطهم صلة بوالده. يروي "أوسكار" على طول الفيلم آلامه ليتحوّل الشخصية المحورية بلا منازع، وفي الخلفية تظهر والدته (ساندرا بولوك) المنقطعة عن العالم والتي فقد كل صلة تواصل معها وجدته ورجل غريب (الرائع ماكس فون سيدو) قرر أن يصمت إلى الأبد نتيجة لحادث تعرض له، يتخذه الصبي مساعداً له في رحلات بحثه الطويلة. وسط هذا السرد المشحون بمونولوغات الصبي وذكرياته مع والده والكثير من الرموز، ثمة من دون شك رصد عميق للعلاقات الإنسانية والتواصل واليأس الذي يبدو العنصر المشترك بين كل الشخصيات، يتفاعلون معه بطرق مختلفة. ولكن شريط دالدري مثقل بالكلام وأحداثه تجري في حركة دائرية مغلقة لا تلبث أن تزيل كل غموض أو شك وتنتهي إلى حل للغز المفتاح لا يتناسب مع الثقل الذي قامت عليه عملية البحث. وفي هذا لا يغيّر دالدري من اسلوبه حيث أن افلامه غالباً ما تنشد نهاية متكاملة تكشف عن كل الخيوط وتقوم بربطها، بسذاجة احياناً. إلا ان هذا الميل يبدو في آخر أفلامه أكثر حضوراً بسبب من طبيعة الفيلم السردية وخيوطه المتشابكة. يبقى أن الطفل الذي يلعب دور "أوسكار"، توماس هورن، يكشف عن موهبة فذة بقدرته المذهلة على توصيل معانٍ في حواراته الصعبة يبدو متمكناً منها إلى ابعد حدود.
من نيويورك 2002، ينقلنا ثورنتن إلى ألاباما 1969 حيث جيم كالدويل (روبرت دوفال) يدير منزل العائلة بقبضة من حديد. أولاده الثلاثة الرجال مازالوا يعيشون في المنزل: "سكيب" (ثورنتن) و"كارول" (:يفن بايكن) اللذين عادا من الحرب العالمية الثانية أبطالاً و"جيمبو" (روبرت باتريك) الذي كانت مغامرته الحربية أقل أهمية. أما "دونا" فمتزوجة من تاجر سيارات. تبدأ الأحداث بمواجهة بين الأب و"كارول" بعيد مشاركة الأخير في مظاهرة احتجاجية ضد حرب فييتنام. ولكن الخبر الذي يصدم العائلة لاحقاً هو وفاة الام التي تركت المنزل قبل سنوات طويلة لتتزوج من رجل بريطاني، "كينغسلي" (جون هورت). وفقاً لرغبتها، ينقلها الأخير إلى ألاباما لتدفن فيها بما يستوجب قدوم كينغسلي وولديه "فيليب" (راي ستيفنسن) و"كاميللا" (فرانسيس أوكونر). يخلق اجتماع العائلتين، الأميركية والبريطانية، مساحة لتصوير تضارب الثقافتين، السخرية، الأحكام المسبقة وبالطبع علاقة الأهل بالأبناء. فجيم وكينغسلي، وعلى الرغم من فوارقهما الكثيرة، متشابهان تماماً في علاقتهما باولادهما القائمة على عدم البوح والتأنيب المستمر. لكل شخصية مشاكلها، يبسّطها ثورنتن أو يختزلها بمشكلة واحدة ظاهرة: سكيب يعاني من جسده المحروق خلال الحرب وجيمبو يغار من أخويه بطلي الحرب وفيليب تسكنه تجربة الاسر خلال الحرب اليابانية... بنسبة اقل يلتفت الفيلم إلى شخصيتيه النسائيتين، مقدماً دونا زوجة غير سعيدة تبحث عن مغامرة وكاميللا إمرأة حرة يعجب بها سكيب. الفيلم مليء بالسخرية السوداء ومميز بأداء ممثليه من دون أن يقدم نفسه كعمل متماسك على طول الخط. فثمة تفاصيل كثيرة وعقد يقدمها في شخصياته ثم يتركها من دون متابعة مثل موضوع الأحفاد على سبيل المثال. قد تكون المشكلة الاساسية هي الاشياء الكثيرة التي يود الفيلم قولها وإفراده مساحة شبه متساوية لشخصياته بما لا يتيح التعمّق في اتجاه حكائي أو التورط بشكل كامل مع شخصية محددة. يتضح هذا أكثر مع وصوله إلى الذروة المتوقعة والمتمثلة بالمواجهة بين الأب والأبناء. ولكنه يبقى فيلماً ممتعاً وشخصياً إذ أشار المخرج إلى أن الحكاية مستوحاة من طفولته في ألاباما.
الجيش الإيرلندي بين "راقصة الظل" و"المرأة الحديدية"
بين الفيلمين البريطانيين "راقصة الظل" لجايمس مارش و"المرأة الحديدية" لفيليدا لويد صلة غير مرئية هي الجيش الجمهوري الإيرلندي الذي يشكّل محور الأول، بينما يندرج تجريده من نضاله المسلّح ضمن "إنجازات" رئيسة الوزارة البريطانية مارغريت تاتشر التي تشكل محور الفيلم الثاني. مارش الذي أنجز قبلاً عملين وثائقيين نالا الإستحسان- "رجل على شريط" و"مشروع نيم"- يخوض من خلال "راقصة الظل" تجربة جريئة بنبش ماضي الصراع الإيرلندي القريب الذي لم يقفل نهائياً بعد. ومعه في المغامرة "بي بي سي فيلمز". على الرغم من الأفلام الكثيرة التي أنجزت عن هذا
الموضوع، يمتاز شريط مارش بكونه دارما سيكولوجية تشويقية إلى جانب مونه عملاً سياسياً من الطراز الرفيع، يحوكه مارش وكاتب السيناريو توم برادباي بكثير من الحنكة والهدوء والتركيز على الجانب الإنساني المنخرط في صراع سياسي لا يفقه الكثير منه. "راقصة الظل" هي "كوليت" (أندريا رايزبورو في أداء ممتاز) الأم العازبة والعضو الناشط في الجيش الجمهوري الغيرلندي. يجري توقيفها من قبل الضابط "ماك" (كلايف أوين) بعيد محاولة تفجير فاشلة في إحدى محطات القطار النفقي في لندن. لا منفذ أمام "كوليت"، كما يوضح "ماك"، سوى السجن أو التعامل معه. يحاول إقناعها من خلال دحض ما يعتقد انه السبب الاساسي لانضمامها إلى الجيش الإيرلندي. قبل عشرين عاماً، أرسلت "كوليت" شقيقها الصغير لشراء سجائر لوالدها ليعود برصاصة في صدره. القناعة الراسخة ان البريطانيين هم من قتلوه. إلا أن الأدلة التي في حوزة ماك تثبت انها رصاصة الجيش الغيلندي. لن يغير ذلك في واقع الأمر من إحساس "كوليت" المزمن بالذنب تجاه موت أخيها. هكذا ترتضي لأجل ابنها أن تصير عميلة لحساب المخابرات البريطانية ولكن الأمور ستتعقّد بشكل يكشف عن اسرار ليست في الحسبان.
بخلافه، يبدو "المرأة الحديدية" عملاً بانورامياً بمواصفات جماهيرية، وإن كان يتّخذ مدخلاً ذا خصوصية إلى سيرة مارغريت تاتشر أول امرأة تحتل منصب رئيس وزراء في بريطانيا والأطول عهداً في هذا المنصب خلال القرن العشرين حيث حكمت البلاد من 1979 إلى 1990. اختارت المخرجة لويد (لها "ماما ميا") الحاضر المشوّش لتروي سيرة المرأة الحديدية. إنها تاتشر اليوم المصابة بالزهايمر، تستعيد محطات اساسية من طفولتها ومسيرتها السياسية، بينما يختلط عليها الحاضر فلا تنفك تتخيل زوجها المتوفى برفقتها، يتحادثان ويتناكفان بما يبرز حميمية العلاقة التي جمعتهما. الخطر الذي يواجهه هذا النوع من الأفلام دوماً هو البناء. فمتى يخترق الماضي الحاضر؟ وما الذي يحرّكه أو يحيل إليه؟ هذا ما لا يتفكّر الفيلم كثيراً في صنعه، حيث يبدو تداخل الزمنين في أحيانٍ كثيرة بلا خصوصية أو مسوّغ سوى ضرورة الإنتقال إلى مرحلة محورية في ماضي تاتشر. بمعنى آخر، ليس في ترتيب الأحداث أو في الإنتقال من الحاضر إلى الماضي خطة واضحة بحيث تبدو شقلبة المشاهد أمراً ممكناً لا يؤثر في السياق الحكائي. من جهة أخرى، ينجح الفيلم في تقديم صورة عامة عن امرأة غير اعتيادية ولكن من المؤكد ان الإسهام الأكبر في تظهير تلك الصورة هو أداء ميريل ستريب المذهل الذي يحمل الفيلم إلى مستويات تفوق العمل نفسه.
برلين - ريما المسمار


