"ظل راجل" و"كلمات الشاهد" وثائقيات عربية عمادها النساء

"ظل راجل" و"كلمات الشاهد" وثائقيات عربية عمادها النساء

2012.02.14 - بَيْنَ الفيلمين الوثائقيين "ظل راجل" و"كلمات الشاهد" الكثير من العناصر المشتركة، منها ما هو  تقني، كطولهما المتوسط والذي ربما بسببه فَكّر مُنظمو الدورة الثانية والستين لمهرجان برلين السينمائي الدولي، بدمجهما في عَرض واحد، وأخرى ذات صلة بموضوعهما. فكلاهما يتناول ثورة يناير من زاوية "نسوية" كما ان مخرجتيهما مصريتان تعيشان في المهجر. والفيلمان لم يقلّدا بقية الوثائقيات التي صورت الأحداث وشَكَلت تفاصيلها اليومية مادتها الخام. فلا أقامت حنان عبد الله في "ظل راجل" في ساحة التحرير، ولا أغرقت مي اسكندر فيلمها "كلمات الشاهد" بمقابلات وحوارات عن الثورة ومستقبلها. بل إنها تركت كل هذا وذهبت الى رسم بورتريه لصحافية شابة تعمل في القسم الإنكليزي في صحيفة "المصري اليوم" المستقلة، وعبرها قدّمت رؤيتها لواقع مصر والمتغيرات المنتظرة في حقل الإعلام وفرصة الجيل الجديد من الشباب للمشاركة فيه بشروط وظروف عمل لا تشبه القديمة.

"كلمات الشاهد" لمي اسكندر

أول ميزات فيلمها على مستوى الصنعة جودة تصويره. فالصورة عندها نقية مريحة، أما كتابة نصها البصري فجَلي خضوعه لمراقبة والإلتزام بسيناريو معد مسبقاً بعناية، وقد أراح هذا عين مشاهده. لم تخب آمال من شاهد لها من قبل فيلم "الزباليّن" فهي وفي فيلمها الجديد كانت حريصة أيضا بذات الشدة من الحرص على نوعية شغلها والذي يلعب فيه الإنتاج الأجنبي دوراً حاسماً، لكن يبقى شكل المعالجة وفهم الموضوع شأناً قوي الصلة بالمخرج ورؤيته. "كلمات الشاهد" قد تكون كلمات هبة نفسها، أو ربما كلمات شهود الثورة الذين حرصت على معرفة ما آلت اليه مصائرهم، فهي أرادت البحث في تحقيق صحفي لها عن المفقودين من الناس قبل الثورة وبعدها ولهذا وَجَدت نفسها في جو من الحزن والغموض. فأمهات الغائبين كانت دموعهن تسبق مرارة كلماتهن وحماسة الناس كانت تضعها أحيانا وسط دوامة من ردود الأفعال الشديدة، الى جانب شدة وإلحاح والدتها بترك الأمر كله وتجنب المشاكل. مع كل هذا كانت تمضي في عملها وسط تماسك داخلي مدهش، يعرض جانباَ من قوة حضور المرأة المصرية ويتَميّز عن نمط الصحافيين القديمة. فهبة متسلحة بمعرفة تقنية جيدة وبوعي قيد التَشْكُل بعيداَ عن الإيدولوجيات السابقة المهيمنة وبعيداً من الأحكام الجاهزة. ربما في التفاتة مي اسكندر الى هذا الجانب ما يدعو الى التنويه، فحرصها على تقديم شخصية تتعامل بحيادية مهنية وفي نفس الوقت تكتسب معرفة ووعياً بما يجري حولها وحتى موقف منه ولكن من دون ادعاء بحصانة فكرية قد تسبق القناعة والتَشَكُل السَويين، ربما هي إشارة واضحة منها الى نوع من الثوريين الجُدد يظهر اليوم أو يتزامن ظهوره مع التغيير الجديد، يدرك بتجربته ووعيه مكامن الخطر كما أدركت هبة لوحدها خطر العسكر على المجتمع، وخطر تحالفاته التي قد تحرمها من ثورتها مستقبلاً.

ظل راجل ولا ظل حيطة

Berlinale Posterأخذت المخرجة حنان عبد الله من المثل الشعبي المصري نصفه الأول "ظل راجل" وعنونت به فيلمها، وكأنها به تريد إعلان  إحتجاج على النصف الأول، فكيف ترضى بالنصف الثاني المكمل الإهانة للمرأة علانية؟ عنوان جذاب لفيلم ممتع، حيوي مع كل نواقصه الفنية، جاء وفيه الكثير من الجمال الداخلي لبساطة وإنسيابية حديث المشتركات فيه. معايشة حنان لعَيناتها البشرية  المختارة، ومد جسور الثقة بينها وبينهن خلق مناخاً صحياً لصنع  وثائقي يعتمد كثيراً على العلاقة الشخصية، وهذا ما لمسناه حين كن يكررن وبعفوية إسمها في حديثهن: "شوفي يا حنان.. والله يا حنان" بهذة الثقة والعلاقة الطيبة وصلت حنان الى ما تريد: رفع الحوار الى مستوى البوح والمجاهرة. وهو ما ينقص الكثير من وثائقياتنا المعتمدة على الحوارات في ظل نقص أو غياب كامل للمادة البصرية الخام. نساء "ظل راجل" الأربع- العجوز وفاء، صاحبة المتجر سوزان، المناضلة الوطنية شاهندة والفلاحة بدرية- يمثلن شرائح اجتماعية مختلفة ومناطق جغرافية منوعة، وبهذا كُن يُعبرن عن واقع المرأة في مصر كلها تقريباً، وهن والى حد ما مشاركات في عملية التغير بأشكال وطرق مختلفة وفق وعي وتجربة كل واحدة منهن. ولكن ما يجمع بينهن هو الصدق والروح  المصرية الساخرة لذلك يمكن وصف "ظل راجل" بأنه فيلم فَرحُ الروح خَفيفُها، مع كل ما فيه من أحزان. فواقع النسوة يحزن ويكشف، وهذا ربما أهم ما في الوثائقي، أسباب الثورة والتغيير. فواقعٌ يظلم المرأة الى هذا الحد لا بد من نهايته، وواقعٌ يتقاسم الرجل فيه المرأة العوز والقهر والذل لابد من تغييره! اهتمت حنان بواحدة من الخصائص "المصرية" والمتمثلة بمشاركة المرأة الرجل العمل، وحالة الفلاحة بدرية تكشف الروح التواقة والمثابرة عند المصريات فهي لم تكتف بتربية الأطفال بل والقيام بكافة أعمال الفلاح، ومع قلة وقتها وصعوبة عيشها ترغب في التعلم وتراهن على مستقبل أفضل لأطفالها في "ظل" غياب شبه كامل لزوجها العاطل عن العمل. وبنفس حماستها تتحدث أمامنا بصدق سوزان صاحبة المتجر والتي تكره الزاوج لتعرضها في صغرها للتحرش الجنسي من قريب لها في العائلة، قالت ذلك وعبرت عن خوفها من الرجل الذي يرغب بها جنسياً قبل أن يحبها لذاتها. وكراهيتها الرجال تعلنها العجوز الظريفة الروح الصريحة وفاء التي جربت العمل خارج البلاد هرباً من ضغط اجتماعي وعائلي في حين أبقت شاهنده جذوة شعلة التغيير التي حملتها ضد الإقطاع ودَفَع زوجها حياته ثمنا لها متقدة داخلها حتى اللحظة. لقد عوضت حنان نقص جودة الجوانب الفنية لفيلمها وقلة مادتها الأرشيفية الخام، عدا القليل منها مثل لقطات من فيلم مصري قديم يتحدث عن استشهاد زوج شاهنده عام 1966 في صراعه ضد إقطاعي منطقته أو مشاهد تظهر ناشطات مصريات في أحداث التحرير. عداها ظل التعويل على كلام النساء الركيزة الأساس للعمل كله، ومن حسن حظها توفر لها  الكثير من "حلوات اللسان" وبفضل  صراحتهن وجرأتهن المتوازنة ارتفع مستوى "ظل راجل" عالياً فجاء ما يشبه المفاجأة العربية في برليناله 2012.

برلين - قيس قاسم

سينما عربية