برلين الـ62

برلين الـ62

جولي تصنع فيلماً للمرأة ومندوزا يلاحق التطرّف إلى عمق البراري

2012.02.14 - المرة الأولى في برلين قادرة على بثّ الرهبة في زائرها. طقس جليدي، مدينة عصيّة ومهرجان سينمائي صخم: ثلاثة عوامل تضع الزائر على مسافة من كل ما حوله. وإذا اعتاد بردها بعد أيام، فإن لغز المدينة يبقى قائماً، يغويه من بعيد باكتشافها، هو العارف نظرياً بتاريخها، فيحاول الإقتراب من جديد، لتعود معضلة البرد حائلاً ويقف المهرجان الكبير منافساً للمدينة، مطالباً بالإهتمام الكلي وإلا أضاع الزائر فرصة استبيان دهاليزه. مهرجان برلين السينمائي الذي يقف بين أهم ثلاثة مهرجانات عالمية، إلى جانب كان والبندقية، محتفلاً هذا العام بدورته الثانية والستين، أشبه بسوق كبيرة، تختلط فيها الأنواع والأشكال والألوان والنوعيات في فوضى، تبدة للوهلة الأولى مربكة، قبل أن ينزلق المرء إلى روتينها ومنطقها الخاصين. فهنا لا توجد قوانين أو إرشادات؛ لا شيء يوحي لك بالتوجّه إلى هذا الفيلم وليس ذاك، إلا بالطبع إذا كنت عارفاً به أو بصانعه. خلا ذلك، لا تقول التقسيمات على البرامج المختلفة شيئاً ملموساً. فاختيار فيلم للعرض ضمن المسابقة على سبيل المثال لا يعني بالضرورة احتكامه على مقومات أفضل من ذاك المعروض في القسم الخاص أو في البانوراما. وهذا، على مخاطره، يوحي بشيء من الرحابة في احتضان السينما وباعتراف بالميل الشخصي البحت إلى فيلم دون آخر، كما بدور المشاهد، أكان ناقداً أو خلافه، في تنظيم تلك الفوضى أو الأحرى التحول جزءاً منها، بحثاً عن أو اكتشافاً لما يحب. من ناحيته، أعلن المهرجان هذا العام خطوة "اكتشافية" خاصة به هي تلك المتعلّقة بالسينما العربية، حيث قرر قطف "ثمار" "الربيع العربي" سينمائياً، مخصصاً تظاهرة للسينما العربية (عرض أفلام عن الثورات وإقامة ندوات)، ربما تكون الأكبر في أوروبا والأولى من نوعها حتماً في مهرجان برلين. ولعلّه من الصعب الآن فهم تأثير تلك العروض أو مدى اجتذابها للحضور الأجنبي. ولكن المؤكد أن عنوان "الربيع العربي والسينما" بات يستفزّ شريحة كبرى من العرب. ولذلك حديث آخر قريب.

"في أرض الدم والعسل"

مع انقضاء اليوم الخامس، يدخل المهرجان نصفه الثاني بذخيرة معقولة من الأفلام الجيدة في قسم الإختيار الرسمي الذي غالباً ما يتم التركيز عليه في المهرجانات الكبرى.  مرة ثانية بعد كانّ، تحضر في الأفلام موضوعة العائلة والأطفال في أفلام "العودة إلى المنزل" لفريديريك فيدو و"أخت" لأورسولا ماير و"سيارة جاين مانسفيلد" لبيلي بوب ثورنتن و"ألعاب طفولية" لأنطونيو كافارياس و"صاخب بشدة وقريب بشكل لا يصدق" لستيفن دالدري.  بينما يجمع التطرّف الديني فيلمي بريانت مندوزا "رهينة" وأنجيلينا جولي "في أرض الدم والعسل". وفي ثلاث خانات مختلفة، تقع أفلام الأخوين تافياني "يوليوس قيصر" وسبيروس ستاثولوبوليس "متيورا" وجايمس مارش "راقصة الظل".

يذكّر "العودة إلى المنزل" بفيلم النمسوي ماركوس شلاينزر "ميكايل" الذي عرض في دورة 2011 لمهرجان كان السينمائي.  كلاهما مستوحى من حادثة واقعية هي حكاية ناتاشا كامبوتش التي بدأت مأساتها المروعة عام 1998 (كانت في العاشرة) باختطافها واحتجازها من قبل عامل ميكانيكي في زنزانة تحت الأرض لثماني سنوات قبل أن تهرب في 23 آب 2006. على أن الأوّل يقول ما يسكت الثاني عنه. فبينما كان شلاينزر معنياً فقط بالزمن الفعلي الذي يتناوله الفيلم وما يجري خلاله من أحداث عن ظروف التعايش المفروض بين الخاطف والمخطوف، يذهب فيدو في "العودة إلى المنزل" إلى التحليل النفسي واستعادة كيفية اختطاف العامل للطفلة. وبينما ركّز الأول على وجهة نظر الخاطف، يتقلّب الثاني بين وجتي نظر الخاطف والمخطوف مع تعزيز للأخيرة. يبدأ الفيلم  مع تحرير الخاطف للفتاة التي اصبحت الآن شابة في عمر المراهقة. وإذ يوحي العنوان بأن الحكاية ستتمحور حول عودتها إلى محيطها من جديد بعد سنوات طويلة من الإختطاف، يذهب الشريط إلى معالجة موازية لزمنين مختلفين: السنوات التي قضتها مخطوفة والحاضر الذي يتمثل بعودتها إلى عائلتها. سير الأحداث متوقع إلى حد بعيد وكذلك تقلّبات العلاقة بين الفتاة وخاطفها. فمن رعب ورفض وقتال إلى روتين حياتي محكوم بذهاب الخاطف إلى عمله يومياً وبقاء الفتاة في القبو المجهّز بكل ما تحتاج إليه، ومن ثم اللقاء المسائي حول العشاء والدراسة التي يصر الخاطف على أن تتلقاها الفتاة بشكل جيد. ينفي الفيلم منذ اللحظة الأولى وجود اي ميل جنسي لدى الخاطف، يما يتيح التامل أكثر في دوافعه النفسية أو الإنسانية البحتة. إنه التوق إلى التواصل والعائلة والحب ولا شيء غير ذلك. الرغبة تنشأ عند الفتاة، وهي رغبة مشوبة بالكره وإنما دافعها السيطرة. صحيح أن الفتاة مختطفة وسجينة ولكنّها الطرف المسيطر من خلال تسيير تلك العلاقة سواء أبحكاياتها التي لا تنتهي عن القصص التي تقرأها وتعيد سردها لخاطفها كما لو انها شهرزاد أو بإعلان رغبتها بممارسة الجنس معه كسراً لسطوة الأبوّة التي يعاملها بها. في محيطها التي تعود إليه، ترفض "غايل" الحديث عما جرى محتفظة بتلك التجربة لنفسها. المرارة الحقيقية التي تعيشها تتمثل في ثنائية الذنب-الشفقة التي يعاملها بها الآخرون بداية بوالدتها، بما تحمله من تصنيف يرفض أن يراها إلا تلك الطفلة التي اختطفت وعذبت وحرمت عائلتها. أما هي فتريد العيش في حاضرها وبالشخصية التي أصبحت عليها. وهذا ما يدفعها في نهاية المطاف إلى اختيار بداية جديدة وحيدة حيث لا وصمة من الماضي  تختزل وجودها.

في سياق مشابه للطفولة المختطفَة، قدمت المخرجة الألمانية أورسولا ماير فيلمها "أخت". الأجواء تذكّر بأعمال الأخوين داردن. واقعية تجري فصولها في الضواحي الصناعية المنسية والمناطق الحدودية بين الشقيقين "سيمون" و"لويز". في تلك البقعة من جبال الألب التي تعلو الوادي الذي "رهينة"يعيشان فيه منتجع فاخر للتزلج، يقصده طسيمونط يومياً لسرقة معدات التزلج باهظة الثمن وبيعها من جديد للأطفال في منطقته. إلا أن اكتشاف طباخ بريطاني يعمل موسمياً في المنتجع لسرقاته يدفعه إلى التعاون معه بما يؤثر على حجم وطبيعة سرقاته كما على علاقته بأخته العاطلة عن العمل بالتزامن مع مواجهتهما لحقيقة أنكراها لوقت طويل وهي أن لويز والدته وليست شقيقته. "سيمون" هو محور الحكاية، يتلقّفه الشريط في مرحلة إنتقالية من الطفولة إلى المراهقة ووسط تعطّشه للحب والعاطفة. تفاصيل ويوميات صغيرة تنبني على طول الفيلم تفطر القلب بما تفصح عنه من عزلة ووحدة وطفولة ضائعة، ولكنها لا تقع أبداً في مأسوية بكائية لسببين اساسيين: شخصية "سيمون" الناضجة والمرحة إلى حد بعيد وتجنّب المخرجة اي نوع من التحليل النفسي أو النقد الإجتماعي الذي من شأنه أن يضع الحكاية في سياق عام. على العكس، تبقى الأخيرة في سياق إنساني حميم وكوني في آن، لا يعوزه اي تبرير للشروط التي أوصلت الطفلين-لويز وسيمون- إلى ما هما عليه اليوم. إنها حكاية عن الطبيعة الإنسانية في احتياجها إلى الحب كما في قدرتها على التأقلم والعثور على خلاصها في تفاصيل صغرى كما يفعل "سيمون" حينما يكتشف متعة المكان الذي دأب على كسب معيشته منه، غير منتبه إلى طبيعته المحرِّرة.

الأمر مختلف بالنسبة إلى طفلة "ألعاب طفولية"، حيث يأخذ المخرج الأحداث في سياق مختلف يراد منه التشويق والإثارة. الشريط الأقل بروزاً بين الأفلام المسابقة إلى الآن، ينسج حكايته حول الزوجين المعلمين في المدرسة "دانييل" و"لورا" اللذين باءت كل محاولاتهما الإنجاب بالفشل. ولكن حياتهما ستنقلب بين ليلة وضحاها مع ظهور "ماريو" في حياة "دانييل" ومن ثم انتحاره في اليوم التالي. تأخذ "لورا" على عاتقها توفير العناية لابنة ماريو ريثما ينجلي أمر رعايتها. وفي حين تستميت لورا حباً بالطفلة، تثير الأخيرة في ذاكرة "دانييل" أحداثاً ماسوية بعيدة. يتضح أن الأخير تسبب مع "ماريو" بموت أخت الأخير "كلارا" عندما كانا طفلين وكان والد "دانييل" ووالدة "ماريو " و"كلارا" على وشك الزواج. تعود أشباح الماضي إلى "دانييل" مع ظهور الطفلة في حياته لاسيما مع ادعائها انها "كلارا". يبني الإسباني كافارياس فيلمه بنفس التشويق النفسي، مازجاً بين الواقع والكوابيس والأحلام، ومتخذاً من الطبيعة مصدر الرعب الأكبر. غير أن كل ذلك يبقي الفيلم في خانة الأسلبة، منتمياً إلى النوع أكثر منه إلى السينما.

في أرض الدم والتطرّف

في تجربتها الإخراجية الثانية (الأولى كانت في العام 2007 من خلال الوثائقي "مساحة في الزمن")، تستعيد النجمة أنجيلينا جولي واحداً من افظع فصول الحرب في التاريخ المعاصر، حرب الصرب على كوسوفو. خيار جولي ليس مفاجئاً حيث أن اشتغالها على هذا الموضوع لسنوات طويلة كسفيرة للنوايا الحسنة يشكّل خلفية ثرية لخوض تجرتها الروائية الأولى استناداً إلى نص سينمائي بتوقيعها أيضاً. والحق أن جولي قدّمت فيلماً جريئاً لجهة المضمون والاسلوب معاً. فاختيارها التركيز على نساء كوسوفو وإدانة الإغتصاب الممنهج الذي ارتكب بحقّهن لسنوات طويلة وبناء فيلمها على مشاهد صادمة من ذلك النوع كلها مؤشرات إلى رغبتها في صنع فيلم صادم حول قضية تعنيها مباشرة. أضف إلى ذلك ان اختيارها ممثلات وممثلين محليين ولغة البلد الأم للحوارات، منح الشريط صدقية وأصالة أبعدتا عنه طيف "الأمركة" ووجهة النظر الغربية تجاه قضية من هذا النوع. فهذا ليس فيلماً أميركياً عن كوسوفو وإن كان يصعب القول ايضاً انه عكس ذلك تماماً. ولكن ثمة على الأقل محاولة ما لإخراج عمل بأقل ما يمكن من الإدعاءات والتنظير. غير أن ما نجحت في تفاديه من خلال تلك الخيارات- الممثلون واللغة والمضمون- تسرّب من خلال السيناريو الذي كان يحتاج حتماً إلى اصابع أكثر خبرة لإحكامه أولاً وللحد من انزلاقه في خط حكائي رئيسي يلامس الخرافة. تبدأ الأحداث قبل اندلاع الحرب بمشهد تعارف حميم بين "أيدا" و"دانييل"، يرقصان في حانة ويتلامسان بشغف قبل أن يضرب المكان تفجيراً يودي بحياة معظم الساهرين فيه. إنها الشرارة التي تعلن انطلاق الحرب، لتجد "ايدا" نفسها مباشرة بعد ذلك سجينة في مخيم للتعذيب يشرف عليه "دانييل" وفرقته العسكرية.  وسط المهانة والذل اللذين تتعرض النساء لهما هناك، ينجح "دانييل" في تحييد "أيدا" على اعتبار انها ملكيته الخاصة. وبعد ممانعة منها في البداية، يستكمل الإثنان حكاية حبهما وسط مخيمات التعذيب ونيران الحرب. هكذا ترفض "أيدا" الهرب للبقاء إلى جانبه ومن ثم ترتضي السجن في مقرّه لتبقى قريبة منه، مظهرة الطاعة والخنوع في معظم الوقت من دون أن ينفي ذلك حقيقة حبها له. أما هو، فيتقلّب مزاجه تجاه "أيدا" لاسيما بتأثير والده الجنرال العسكري، فمرة يكون العاشق وأخرى المغتصب وثالثة السجان. تفنتقد مشهديات الحب تلك الكثير من العمق والشك والأسئلة والصراعات التي لا تظهر إلا لماماً عند الإثنين ومن خلال جمل حوارية مختصرة. أما لماذا ترتضي هي كل هذا ولماذا يغيب المنطق عن أفعالها ولا تعيش صراعاً حقيقياً تجاه علاقتها بجلادها... فأسئلة لا يتعمّق الفيلم فيها بما يحوّل حكاية الحب بين "أيدا" و"دانييل" إلى مجرّد خط روائي جذاب وحجة للقاءات جنسية عدة، تصصوّرها جولي بمزاج منفصل عن سياق الفيلم، جذّاب ومثير من دون أن يحتضن المعاني المتناقضة لعلاقة من هذا النوع.

من الجهة الأخرى، يبرز موضوع التطرف الإسلامي عند بريانت مندوزا في شريطه "رهينة" المستوحى من حادثة واقعية جرت فصولها في الفيليبين في العام 2001 عندما أقدمت مجموعة "أبو سياف" على اختطاف عشرين شخصاً من منتجع سياحي على جزيرة بالاوان. النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير- التقت مندوزا للمرة الأولى في كان في العام 2007 عندما قدم فيلمه "كيناتاي" وكانت هي رئيسة لجنة التحكيم- تلعب الدور الرئيسي، "تيريز بورغوان" الناشطة في العمل الإجتماعي، إذ تتمحور حولها الأحداث والتحولات التي يعيشها المخطوفون خلال مدة الخطف. بعد محطات عدة يتخذها الخاطفون، من بينها مستشفى، يصلون بالرهائن إلى البراري حيث تتركّز معظم أحداث الفيلم. هناك، يواجه الطرفان بعضهما بعضاً كما الطبيعة المتوحّشة التي تحاكي طبائع البشر. ةشيئاً فشيئاً، يتقلّص عدد المخطوفين الذي إما يتم إطلاق سراحهم بعد أن تُدفع فديتهم وإما يقتلون بسبب هجمات الجيش الفيليبيني العشوائية. الإنجاز الأكبر لمندوزا هما الإيقاع ومناخ الفيلم، لاسيما في نصفه الثاني مع استقرار المجموعة في البرية. ولكن ما يفلت من بين يديه هو معالجة الشخصيات بعمق أكبر لاسيما المخطوفين منهم. فلا شيء في الفيلم يقبض على معنى الضجر أو الرعب أو العلاقات بين المخطوفين. ولا شيء خاص في شخصية أوبير يميّزها عن المجموعة بما يترك انطباعاً بأنها هنا كنجمة وليس لمتطلّبات الشخصية السينمائية. في المقابل، ينجح مندوزا في تقديم صورة أعمق وأشمل وأكثر إنسانية وتنوعاً عن أفراد مجموعة "أبو سياف" وتناقضاتهم. لا شك في ان الفيلم سينال قسطاً وافراً من الإهتمام الإعلامي لجهة موضوعه ولكن بالنسبة إلى المهتمين بالسينما، سيغلب الإحساس بأن هذا اللقاء المنتظر بين مندوزا وأوبير لم يفضِ فعلاً إلى شيء مميز.

برلين- ريما المسمار