برلين الـ62: حضور المكان ووثائقية الدراما

برلين الـ62: حضور المكان ووثائقية الدراما

2012.02.16 - يومان يفصلان مهرجان برلين السينمائي عن ختام دورته الثانية والستين. ثمانية عشر فيلماً في المسابقة الرسمية، عرض معظمها، تنتظر حكم لجنة التحكيم برئاسة المخرج البريطاني مايك لي. التنبؤات صعبة كما هي حالها في اي مهرجان. ولكن في برلين تبدو المسألة اصعب حيث الأفلام شديدة الإختلاف لجهة التوجه والأسلوب وأيضاً القيمة الفنية. هنا، يبدو "التسامح" سيد الموقف. أفلام عادية وأقل منها تجد طريقها إلى عروض المسابقة؛ مخاطرات بأفلام تبوء بالفشل؛ اكتشافات عصية بسبب من ضخامة البرنامج وتوزع أماكن العرض بين وسط مزدحم وأطراف مبعثرة. وهناك بالطبع مهرجان كان السينمائي على بعد خطوتين (شهرين) فقط، يتهافت الجميع عليه. ليس من السهل على برلين اصطياد الأفلام التي يريد في ظل السطوة التي يمارسها كانّ من بعيد وبخفر. إنها منافسة مشروعة بين مهرجانين أوروبيين ضخمين (يتجنّبها البندقية بعض الشيء بسبب من موعد انعقاده قبيل نهاية العام)، يقودان المشهد السينمائي العالمي في مفتتح كل عام، بأفلام لا تنفكّ تتحول حديث العام وما بعده أحياناً.

ceasar must die

على الرّغم من الغياب الظاهري لأية عناوين مشتركة بين أفلام المسابقة، ثمة أمران يستوقفان المشاهد في محصّلة مشاهداته ومتابعاته لتلك الأفلام: خصوصية المكان والرصد اليومي لتفاصيل العيش. السينما هي بالضرورة عن أمكنة وبشر وأزمنة. ولكنّنا نتحدّث هنا عن المكان-الشخصية الذي يشكّل سلوك الإنسان ويعجن طبيعته. ونتحدّث عن ميل إلى السرد التفصيلي للمعيش، على نحو يتماهى أحياناً مع التوثيق. كأن هذا السرد المتخيّل يبحث عن مشروعيته في التصاقه بالواقع وانغلاقه على المكان، فتصير الحكاية لا تشبه إلا نفسها، ويتحوّل الفيلم مساحة لاكتشافات تتجاوز الحكاية والسرد.

تتجلّى بطولة المكان في "ميتيورا" لليوناني- الكولومبي سبيروس ستاثولوبولس، راوياً حكاية الرغبة والخطيئة بين راهب وراهبة كاثوليكيين في القرن الرابع عشر. يفتتح الشريط بمشهد لقمتين جبليتين، يتربّع على رأس كل منهما دير، أحدهما للراهبات والثاني للرهبان. بين القمتين الرامزتين إلى القداسة وادٍ يمثّل الحياة العادية. في الوادي، يلتقي الراهبان، هو ينزل درجاً طويلاً كأنما آتٍ من سماء عليا، وهي منزلة بواسطة شبكة موصولة بحبل تحركه بكرة في الأعلى. لقطات ستاثولوبولس الثابتة تعكس رهبة المكان وأسطوريته، يضاف إليها مشاهد التحريك المبتكرة من وحي الأيقونات الخشبية، حيث تصير حكاية الراهبين العاشقين أقرب إلى خرافة. ثلاثة لقاءات يتمحور الفيلم حولها، تصل ذروتها في اللقاء الجنسي الأخير. بينها، تصعد الكاميرا إلى الدير لتلتقط الطقوس اليومية أو لترصد الراهبين كل في وحدته يعيش صراعه بين الدين والدنيا.

في "تابو"، يقدّم البرتغالي-الناقد السينمائي في الأصل- ميغيل غوميز فيلماً أصيلاً مؤسلباً ذا بصمة سينمائية شديدة الخصوصية. تبدأ الأحداث في لشبونة اليوم حيث "بيلار" الأربعينية الوحيدة مأخوذة بجارتها الثمانينية "أورورا" التي تعيش وحيدة مع خادمتها "سانتا" وذكرى إبنة لا نراها مقيمة في كندا. تعيش "أورورا" في ما يشبه العالم الوهمي الذي لن تتضح معالمه إلا مع ظهور "جان لوكا" قبيل نهاية الجزء الأول المعنون "جنة مفقودة". من خلال "جان لوكا"، يدخل الفيلم في فصله الثاني، "جنة"، المصور بالأبيض والأسود بكاميرا 16 ملم والصامت إلا من صوت الراوي، يسرد حكاية "أورورا" الصيادة الماهرة التي تملك مزارع شاي ضخمة في بلد إفريقي. تقع "أورورا" المتزوجة في حب "جان لوكا" بينما هي حامل بطفلة من زوجها ويتزامن كل ذلك مع نهاية الكولونيالية البرتغالية في أفريقيا. الفيلم تحية للسينما الصامتة عموماً وللسينمائي أف دبليو مورنو خصوصاً الذي قدم فيلماً بعنوان "تابو"  في العام 1931 في جزءين حملا أيضاً العنوانين "جنة" و"جنة مفقودة". 

من غابات أفريقيا منزوعة الألوان في "تابو"، يرمي بنا وانغ كوانان في حقول الذرة الصفراء الصينية في فيلمه  "سهل وايت دير"، حيث يروي تاريخ الصين بين 1912 و1938 من خلال عائلتي فلاحين، "باي و"لو". هنا ملحمة تاريخية وصراع عائلتين على السلطة كما على امرأة، يحوكها كوانان عبر الفصول والأزمنة المتبدّلة، مؤفلماً رواية تشن زونغشي الصادرة عام 1993، بطموح كبير وإنتاجية ضخمة. في ثلاث ساعات، يتنقل الفيلم بين شخصياته الرئيسية مبدّلاً في وجهات النظر. فالحكاية تبدأ في العام 1912 مع سقوط الإمبراطورية وصعود الجمهورية. تشتد الأحوال على فلاحي "سهل وايت دير" حيث ترتفع الضرائب ويضرب الحكم الجديد بيد من حديد. "باي جاشان" هو رئيس القبيلة و"لو سان" خادمه المخلص. أما ولداهما "حيوا" و"شاوين" فصديقان مقرّبان. عندما يقع الأول في حب "شاو" إحدى زوجات رئيس قبيلة اخرى، تهرب معه مع انكشاف أمرهما ولكن جاشان يرفض أن يتزوجا في معبد الأسلاف لقيام علاقتهما على الزنى. هكذا ينفصل حيوا وشاو عن القبيلة ويقيمان في كهف معزول بمساعدة "شاوين". مع قيام الثورة، ينخرط حيوا في الحركة الشيوعية بما يستوجب لاحقاً هروبه وبقاء "شاو" وحيدة، لتروى الأحداث من وجهة نظرها. بجمالها الأخاذ وفتنتها، تتحول محط أنظار الرجال ومشتاههم، فيتعاقبون عليها عشقاً واغتصاباً، لتصير أقرب إلى أسطورة، عالقة بين أن تكون ضحية أو لعنة. وإذ تضرب المجاعة، يبدّل الفيلم مرة جديدة وجهة النظر، متعقّباً الشخصيات المتناثرة مرة أخرى مع عودتها إلى "سهل وايت دير" عند منعطف تاريخي مفصلي في تاريخ الصين هو بداية الحرب مع اليابان حيث تختتم أحداث العمل. كوانان العائد إلى برلين بعد فوزه بالدب الفضة في العام 2010 عن "متباعدون معاً" وقبله بالدب الذهب في العام 2007 عن "زواج تويا"، أمضى أكثر من سبع سنوات في محاولة إنجاز هذا الفيلم ونجح إلى حد بعيد حيث فشل مخرجون صينيون كثر في نقل رواية زونغشي إلى السينما. يتميز الشريط بالأداء التمثيلي اللافت وبمشهديات تخطف الأنفاس وبنفس ملحمي طموح، يقوم على سلاسة السرد التي يتخللها أحياناً تطويل وتعقيد سرديان لا مفر منهما في عمل من هذا النوع.

السينما وحسب

من بين عروض المسابقة الرسمية التي استدرجت الإجماع الشريط الهنغاري  لبينس فليغوف. مع عرضه قبل يوم واحد فقط من نهاية عروض المسابقة، قلب الشريط المعادلة، بلغته السينمائية المتقشّفة، هدوء معالجته وابتعاده من اي تعاطف مجاني. يتناول الفيلم فصلاً اسود في تاريخ هنغاريا "الريح وحسب"مازالت تداعياته مستمرة. فبين العامين 2008 و2009، وقعت سلسلة من الجرائم العنصرية بحق الغجر الرومانيين المقيمين في هنغاريا في مناطق حدودية. يروي الفيلم تفاصيل يوم واحد لعائلة من الغجر مؤلفة من "ماري"، والدها المريض وولديها. يتفرق أفراد العائلة في الصباح الباكر مع ذهاب الأم إلى عملها والإبنة إلى المدرسة. "جيو" الإبن يرفض الذهاب إلى المدرسة مفضّلاً التنقل في الحقول المحيطة، يجمع مؤناً واشياء صغيرة، نكتشف لاحقاً أنه يجهز بها مكاناً سرياً للعائلة. الإبنة بصمتها وانكسارها، تقضي يومها المدرسي متحاشية النظرات الموجهة إليها من زملائها واساتذتها، ومتغاضية عن تحرش أحد الصبيان بزميلتها في الصف. الأم تنظّف الشوارع ولاحقاً المدرسة وتتحمّل مضايقات صاحب البيت مؤكدة له انها ستغادر قريباً مع عائلتها إلى كندا حيث زوجها ينتظرهم. الرعب مخيّم بسبب انتشار خبر مقتل عائلة مجاورة بكافة افرادها كباراً واطفالاً. بإيقاع هادىء إنما متوتر، يحوك المخرج إحداثيات هذا اليوم في حياة العائلة بين المنزل المتواضع القذر، الطبيعة الخلابة والمهددة، أماكن عمل الأم المسكونة بالكراهية والعنف. الكل يحاول التركيز على عمله وإنهاء مهمته لقتل الإنتظار والخوف. يخيّم الليل من جديد على العائلة. تخلد الأم وولداها إلى فراشهما المشترك. الأصوات الخارجية تؤرّق الصبي، فتهدّئه أخته بالقول: "إنها الريح وحسب". ولكن يتضح انها ليست الريح فقط بل غرائز الكره والعنصرية تتحرّك للقضاء على العائلة. وحده "جيو" المهيّأ للآتي يستطيع الهرب. مشهد أخير لأفراد العائلة الثلاثة الآخرين- الأم ووالدها والإبنة- في المشرحة ولاحقاً في التوابيت يرخي بثقله على المشهد فيما طيف "جيو" الحي والهارب يؤذن بانتقام لا بد من أن يأتي.

دراما السجن

لا يقل عمل الأخوين تافياني الروائي التوثيقي "قيصر يجب أن يموت" اقتراباً من الواقع على الرغم من الأجواء الشكسبيرية التي يؤفلمها. مخرج مسرحي يقصد سجناً للسجناء الخطرين في روما لاختيار ممثليه لعمله المسرحي القادم: "يوليوس قيصر". دراما عن السجون تروي الدراما داخل السجون. هذا هو مختصر العمل الذي ينأى بنفسه عن الإنزلاق إلى عاطفية وكليشيهات حول قدرة الفن على التغيير والإلهام. على العكس من ذلك تماماً، يستخدم المخرجان الثمانينيان النص الشكسبيري والسجن كمكان وعملية التمارين ليلغيا الحدود بين الواقع والدراما، محوّلين الدراما السياسية إلى عمل سينمائي يقول الكثير عن الأخوة والندم والعزلة. يفتتح الشريط بمشهد قتل "بروتوس" الشهير ومع اتساع حقل الرؤية، يتبين ان هذا المشهد انما يحدث على المسرح وأمام جمهور. بعدها ينتقل الفيلم إلى السجن حيث يقوم المخرج بتجارب أداء للسجناء. يطلب من كل سجين أن يعرف عن نفسه مرة بطريقة مرتبكة (حيث عليه أن يتخيل نفسه عند حدود ما مخلفاً وراءه زوجة يحبها) وثانية بعصبية (حيث عليه أن يتصور نفسه في جلسة تحقيق مع جنود الحدود). على اساس هذا الإختبار، يختار المخرج ممثليه ويوزع عليهم الأدوار. بعدها تبدأ التمارين التي تمتد من داخل الزنزانات إلى حوش السجن الخارجي وهنا يقوم الأخوان تافياني بعمل رائع في تمويه الحدود والهويات. فبينما يبدأ مشهد بسجين يتمرّن وحيداً على دوره، لا يلبث أن يتسع ليضم المخرج والممثلين الآخرين. وفي حين ينطلق مشهد آخر من جلسة تمرين يقودها المخرج، لا تلبث الكاميرا أن تضيق ليصبح المشهد مونولوغاً داخلياً، ننسى معه ان هذه شخصية رومانية ولكن لا ننسى ابداً انه سجين. فكل سطر في الحوار يتحول مناجاة داخلية تعكس حالة الشخصية الآن وهنا. المؤامرات، المناكفات، التعطّش إلى السلطة، الصراعات بين الشخصيات والوشايات كلها تصير من واقع السجن والسجناء. يقلب العمل يوميات السجناء ويكسر الروتين اليومي ولكنه في الوقت عينه يفتح أعينهم على حقائق يعيشونها من دون إدراك أبعادها. وهنا تأتي الخلاصة على لسان إحدى الشخصيات شديدة التعبير: "منذ اكتشفت الفن، تحولت هذه الزنزانة سجناً."

محنة العائلة

في الفيلمين الألماني "بيت للعطلة" (إخراج هانز-كرستيان شميت)  والنرويجي/الألماني "رحمة" (إخراج ماتياس غلاسنر) رصد يومي لعائلتين في محنة وتشديد على طبيعة المكان المحيط. في الأول، تقع الأحداث خلال عطلة نهاية الاسبوع في بيت ريفي خارج "بون" عندما تجتمع العائلة:  "ماركو" الكاتب الثلاثيني المقيم في برلين، "جاكوب" شقيقه طبيب الاسنان المقيم إلى جانب أهله، الأم "غيته" والأب "غونتر" صاحب دار النشر. يكشف الغجتماع الأول للعائلة عن تغيرات جذرية إذ يفصح الأب عن عزمه بيع دار النشر والإنطلاق في رحلة بحث إلى الأردن تحضيراً لكتابه "رحمة"الأول. ولكن الإعلان الأكبر تقوم به الأم إذ تخبر عائلتها عن استغنائها عن أدوية الأعصاب التي واظبت عليها لثلاثين عاماً. يحدث الخبر خضة لاسيما لدى الأب الذي يخاف أن تؤثر تقلبات زوجته على مشاريع سفره و"جاكوب" المقيم معهم تقريباً والذي سيتعين عليه تحمّل ما قد ينتج عن وقف العلاج. أما "ماركو" فيبدو أكثر هدوءاً. تتطور الأحداث بشكل درامي خلال يوم واحد عندما تختفي غيته ويبدأ كل من الآخرين بالكشف عن مخاوفه وذكرياته مع اكتئاب الأم المزمن. الشريط مقتصد في سرده ومتوازن في عرض الشخصيات ووجهات نظرها من دون أحكام مسبقة، كما يقوم على أداء تمثيلي جيد.

إلى "هامرفيست" النرويجية الواقعة على حدود المحيط الكتجمد الشمالي تنتقل عائلة ألمانية في  مؤلفة من الاب "نيلز" مهندس الطاقة، زوجته الممرضة "ماريا" وابنهما "ماركوس". هناك حيث يعم الظلام لفترة شهرين كاملين، تحاول العائلة التأقلم حيث يبدو "نيلز" الأقل قدرة على ذلك كما تبيّن علاقته العابرة مع زميلته في العمل. تنقلب حياة العائلة راساً على عقب ذات ليلة عندما تصدم "ماريا" بسيارتها شيئاً أو أحداً. لا تتوقف من خوفها ولكن "نيلز" يعود لتفقد المكان من دون أن يعثر على شيء أو أحد. في اليوم التالي، ينتشر خبر مقتل مراهقة لتواجه "ماريا" فعلتها. تقرر عدم تسليم نفسها للشرطة والتكتم على الموضوع. وسط هذه الأجواء المهددة، يتقارب الزوجان من جديد وتحاول "ماريا" أن تؤكد لنفسها- هي الممرضة المحبوبة والمعروفة بقدرتها على التخفيف من مآسي مرضاها على شفير الموت- ان إنكارها فعلتها لا تنتقص بالضرورة من إنسانيتها. ولكن ذلك لا يلبث أن يتحول حملاً ثقيلاً لا تستطيع منه فكاكاً. يروي المخرج أحداث فيلمه في مشهديات طويلة وبإيقاع شبيه بتعاقب الليل والنهار الذي يستغرق أشهراً هناك، فيمسي الوقت أثقل والحياة أبطأ. في خط ثانوي، ينشغل الإبن بتصوير والديه بهاتفه الخلوي، منتجاً مشهديات متتالية صامتة، تنقل الإرتباك والخوف والقلق، كما ترصد تبدّل المسافات بينهما. ولكن هذا الخط يصبح باهتاً في النهاية لاسيما انه لا يصل إلى مكان.

برلين- ريما المسمار