برلين الـ62: عن علاقة السينما بالثورات العربية

برلين الـ62: عن علاقة السينما بالثورات العربية

2012.02.20 - اهتمت الدورة الثانية والستون لمهرجان برلين بالسينما العربية فعرضت، وبشكل إستثنائي، مجموعة من الأفلام الروائية والوثائقية هي الأكبر في تاريخه، وإلى جانبها أقامت ندوات لضيوف عرب في إطار "صناع السينما والربيع العربي" وفيها ناقش المشاركون الكيفية التي تفاعل بها السينمائيون العرب مع الحراك الجماهيري الواسع الذي يجرى في بلدانهم. وفي خطوة توكيدية لهذا الإهتمام، حضر مدير المهرجان ديتر كوسليك الندوتين اللتين أقيمتا في مركز "صندوق السينما العالمي" والقى خلالهما كلمة نَوَّه خلالها بتوجهات المهرجان في دعم سينمات تسهم في عملية التغيير، حين قال: "ما جري في العالم العربي هو الذي دفعنا للتفكير في توسيع المشاركة العربية، هذا مؤكد من دون شك، لكن توجهنا العام يبقى العمل وعبر السينما على خلق عالم معافى يعمل بآليات تجنبنا  الكوارث السياسية والإقتصادية، كما نريد للسينما أن تكون وسيلة مساعدة تسهم في  صوغ رؤية لعالم لا يقبل ولا يبرر حدوث أزمات مالية كبرى كالتي نعيشها اليوم والتي نعرف إنها من صنع أثرياء لا يهمهم سوى كسب المال على حساب بقية البشر. وأظن أن فهمنا يتطابق مع التفسير السياسي الكلاسيكي الذي يقول إن الصراع الجاري اليوم في جوهره هو صراع طبقي، ما زال الفقراء فيه يزدادون فقراً والأغنياء يزدادون غنىً." وأكد كوسليك "نحن في برلين نريد تقديم أفلام ونشاطات تحترم ثقافة الآخر، ونعمل بشكل دائم على ترسيخ هذا المبدأ من هذا المكان".

Berlinale Posterفي الندوة الأولى تحدث ثلاثة من الضيوف السوريين هم: هالة العبد الله، علاء كركوتي ومحمد علي الأتاسي، الذي ركز حديثه حول واقع الإنتفاضة الشعبية في سورية ودور وسائل الإعلام في تغطيتها. وأشار بشكل خاص إلى ظاهرة الصحافيين غير المحترفين والتي فرضها الحصار المتعمد للسلطة على وسائل الإعلام العربية والعالمية مما دفع عدد من النشطاء إلى نقل مجرياتها بأنفسهم. وفي هذا المجال، أشار إلى تغيير مصدر الصورة من الصحافي إلى المشارك نفسه، معتبراً ان هذا يصعّب الحكم على موضوعيتها من دون إنكار مساهمتها في نقل ما يتعرض له المنتفضون من قتل وتعذيب. كما لجأ الكثير من السينمائيين والصحافيين الى وسائل الإتصال الإجتماعي فصار "السكايب" بعد إجراء تحويرات على عمله يسمح بنقل الأحاديث المتبادلة عبره الى "فورمات" قابلة للبث. وأقر بتواضع مستوى الصورة المنقولة من الداخل من دون إهمال فائدتها الكبيرة  للتغطيات الصحافية الإحترافية كونها المصدر الأساس والوحيد تقريباً عندها. المخرجة هالة العبد الله تحدثت عن ظاهرة صنع أفلام بدون وجود أسماء صناعها وقد يكون بعضهم سجن أو قتل قبل عرض فيلمه أصلاً، فهولاء يقدمون للعمل بروح التضحية. بعده تناول علاء كركوتي مسألة ارتباط الواقع الإعلامي العربي والسينما بالمتغيرات التي تعيشها المنطقة وضرورة استغلالها لمد وتوسيع شبكة علاقات مع الغرب تخدم السينما على المستوى البعيد. كما اعتبر أن الندوات المقامة في هذة الدورة تُعين الغربيين على فهم أفضل لما يجري عندنا وتعرفهم بواقع وصعوبات الإنتاج التي يواجهها صانع الفيلم العربي وبالتالي قد يوفر هذا مناخاً إيجابياً لدعم سينمانا من دول ومهرجانات كبيرة مثل برلين وغيره.

في الندوة الثانية، لامست المصرية هالة جلال المشاكل التي يواجهها المخرجون السينمائيون المصريون كونهم غطوا الحدث لا بوصفهم محترفين مستقلين بل كمشاركين في الثورة نفسها. وأشارت  إلى بروز عنصر إيجابي تمثل في خروج العمل التلفزيوني والسينمائي من قبضة المنتجين، فالأمر، كما أكدت، اتسع ولم يعد من الممكن السيطرة عليه وحصره بمؤسسات إنتاجية محدودة. وجاء حديث هانية مروة، المشاركة كعضوة في لجنة تحكيم العمل الأول، عن تجربتها في العمل كمبرمجة في مهرجان الدوحة متوافقاَ مع كلام زملائها حول الإحترافية، بينما نقلت التونسية ناديا الفاني مخاوف جديدة على مستقبل السينما مرتبطة بصعود التيارات الدينية وبشكل خاص السلفيين الذين هاجموا فيلمها "إن شاء الله علمانية" مما دفعها إلى التفكير بالبقاء في باريس وعدم العودة الى تونس ثانية. نفس الهاجس، مع الخوف من المستقبل، ارتفع مستواه عند المخرجة المصرية فيولا شفيق، التي علقت أثناء وجودها بين الحاضرين بأنها لا تنتظر في العقد الآتي من الزمن، بسسب صعود الأحزاب الدينية الى سدة الحكم، تطوراً حقيقياً في حركة السينما المصرية، وعبرت عن مخاوفها من تكرار التجربة الفلسطينية عندهم، إذا ما اضطر السينمائيون الى الهجرة واعتمادهم في هذة الحالة على مصادر دعم خارجية قد تَضعَف بسببه علاقتهم بالواقع المصري وبالنتيجة تخسر السينما نفسها والمجتمع فنانين هما بأمس الحاجة إليهم.

برلين ـ قيس قاسم