جوائز مهرجان برلين السينمائي 2012
بقيت في أوروبا ومالت إلى الفيلم المتقشف
2012.02.22 - لم تخرج جوائز الدورة الثانية والستين لمهرجان برلين السينمائي التي اختتمت فعالياتها ليلة الأحد الماضي (19 الشهر الجاري)، عن خيارات السينما الأوروبية والتي ضمت سابقاً سبعة دبب ذهب لسينما القارة خلال الإثنتي عشرة دورة الماضية، لتتحول محاصصات لجان تحكيمها إلى إعلان مستتر وشبه مؤكد على انتصار هذا المهرجان العريق لتحولات اللحظات السياسية والإقتصادية في أوروبا الساعية إلى تجديد خطاباتها العرقية والإيمانية.

وبقدر ما حمل إعلان رئيس لجنة التحكيم المخرج البريطاني ذائع الصيت مايك لي- المدجج بدوره بعشرات من الجوائز الأوروبية عن "عام آخر"(2010) و"فيرا درايك"(2004) و"أسرار وأكاذيب"(1996) و"عري"(1993)- بصوته حاد النبرات لانفعاله الواضح في منح الأخوين الإيطاليين المخضرمين باولو وفيتوريو تافياني دباً ذهبياً عن جديدهما "على قيصر ان يموت"، إشارة علنية إلى استمرار قوة الشكيمة السينمائية لدى السينمائيين الأوروبيين الذين يواجهون خطراً ماحقاً بنضوب الدعوم الحكومية (كان نموذجها الصارخ "اغتيال" أكبر مؤسسة دعم بريطانية هي "يو كاي فيلم كاونسل" التي جاهدت على مدى أعوام طويلة في رفد الساحة الأوروبية بأسماء فاعلة مثل ستيفن فريرز ومايكل وينتربوتوم وسالي بوتر من بين اخرين)، فإن دب برلين الذهبي 2012 أعلن عن انحياز ضمني إلى الفيلم المتقشف، وهو ما شعّ في نص الأخوين تافياني، بما يمكن اعتباره خلاصاً ديناميكياً لصناعة دولية، عليها أن تستمر في العيش مهما كانت صعاب التمويل ومراهنات هوليوود على نظام التضخيم الإنتاجي.
هذا التقشف ميّز عدداً معتبراً من أفلام الدببة الذهب السابقة، كما هي الحال في العمل الباهر للإيراني الموهوب أصغر فرهادي "انفصال نادر وسيمين"(دورة 2011) الذي لم ترتفع ميزانيته عن نصف مليون دولار، ليحقق لاحقاً مايقرب من 11 مليوناً في السوق العالمي، وبعده زميله التركي سميح قبلان أوغلو في "عسل"(2010) الذي لم يكلف سوى مليون وربع المليون من الدولارات رغم مصاريف مواقع تصويره الصعبة التي جرت في جرود جبال الأناضول. في حين لم ترتفع ميزانية شريط المخرجة البيروفية كلاوديا يوسا "حليب الأسى"(دورة 2009) سوى نصف مليون دولار، أما شريط زميلتها البوسنية جاسميلا (جميلة) زابنيتش "غربافيتشا"(دورة 2006) فأُنجز بميزانية متواضعة جداً، لكنه حقق في وقت لاحق رقماً قياسياً بالنسبة إلى شريط قاسٍ وكئيب يفضح جرائم الإغتصاب خلال حرب البوسنة، قُدر بـ800 ألف دولار(مقابل ميزانية قدرت بـ 13 مليون دولار أنجزت بها الممثلة الأميركية أنجلينا جولي باكورتها "أرض الدم والعسل" الذي يتصدى إلى الموضوع ذاته، وعرض ضمن التكريمات الكبرى وخارج المسابقة). ومثله الشريط الجنوب افريقي الذي اقتبس أوبرا الفرنسي جورج بيزيه الشهيرة "يو ـ كارمن" من اخراج مارك دورنفورد ـ ماي (دورة 2005) الذي كلف 600 ألف من الدولارات، وحقق مفاجأة أينما عُرض نظراً لأفلمته المميزة لحكاية الحب والغيرة التي نقل أحداثها إلى أوساط فقراء سويتو وأكواخهم وعزلتهم في ضواحي جوهانسبيرغ، وتدارس برونق صوري وعفوية ادائية كفاح بشر محاصرين بالفاقة والأمل المفقود.
وفيما تتحول موسيقى بيزيه إلى طلق إنساني، شعّ شريط الأخوين تافياني بطلق مشابه، اخترق هذه المرّة أسوار سجن محصن لعتاة المجرمين الإيطاليين. الغاية هي أفلمة مسرحية وليم شكسبير "يوليوس قيصر" بطاقم منهم، تلبسوا شخصيات بروتوس وكاسيوس ومارك انتوني. وبين مشهدي الافتتاح والختام اللذين صورا بالالوان، يوثق صاحبا "ابي سيدي"(1977) و "ليلة القديس لورنزو"(1982) جهد المخرج المسرحي فابيو كافالي اثناء توضيب المشهديات اللازمة، قبل ان يحولا ما صنعه الى دوكيودراما سينمائية بالاسود والابيض، انجزت بميزانية متواضعة جعلت أحد السجناء المشاركين يقول: "بعد انتهاء العمل، تحولت زنزانتي الى سجن!".
لاريب ان نص الخيانات الشكسبيري يلقي بظله اليوم على سياسات عامة جعلت أوروبا فجأة متورطة بحروب شرق أوسطية ومؤامرات دولية. إن استعارة كارمن كثيمة للحب مقابل الشهوة، تحولت على يد المخرج دورنفورد ـ ماي الى صبّ لعنة على الفصل العنصري ومنهجيته، عبر تحوير لوعات كارمن وثورتها الجنسية الى تفرس اجتماعي في محيط بائس وضاغط بحصاره الذي يتشدد به عناصر من الأمن والعسكر، وهي ذات الإستعارة التي تحيل طعنات سياسيى شكسبير الى جسد قيصر كتطهير جماعي لنزلاء سجن ربيبيا شديد الحراسة ممن قرروا مصاحبة الاخوين تافياني في المغامرة السينمائية التي قالا عنها: "في هذه النسخة الإيطالية لعمل شكسبير، جلبنا إلى الشاشة الفضية العلاقات العظيمة والجديرة بالشفقة بين البشر، ومنها الصداقة، الخيانة، السلطة، الحرية وكذلك الشك (...) لقد صورنا الشريط في زنزاناتهم، في اروقة السجن كي نقارن بين الظلمة في حياتهم كسجناء، مقابل القوة الشعرية للعواطف الشكسبيرية التي تستحضر الصداقة والخيانة، الجريمة وعذاب الاختيارات، ثمن القوة والحقيقة. ان التعمق في عمل من هذا النوع، يعني كذلك البحث في اعماق نفسك، خصوصا حينما يترك امرىء ما خشبة المسرح ويعود الى الزنزانة".
ان فلسفة الكشف التي ارادها الأخوان تافياني في قيصرهما، وجدت صداها في شريط "الريح فقط"(الجائزة الكبرى للجنة التحكيم التي تذهب للمرّة الثانية الى مخرج مجري بعد المميز بيلا تار عن "حصان تورينو" العام الماضي ) للمخرج الشاب بانيس فليغوف حيث حياة القلق والرعب التي تعيشها أسرة من الغجر يومياً، جراء الهجمات العنصرية التي يتعرضون لها. إن أوروبا المعاصرة بالنسبة إلى هذا المخرج العائد من كندا هي أرض انتهاكات مخفية. إنها إبادة منهجية ضد عائلات تصفى بالكامل وبهدوء وتواطؤ سياسي مريبين، حيث نُظمت بين العامي 2008 و2009 هجمات بالرصاص وقنابل المولوتوف الحارقة ضد 16 بيتاً غجرياً في ضواحي العاصمة بودابست، قام بها مجهولون قتلوا خلالها 55 فردا.
هذا الفيلم الشجاع ذو المسحة الشعرية التي تقترب من عوالم زميله الكبير النمسوي مايكل هانيكه في "مخفي"(2005)، من حيث عنفه المضمر، يضع قضيته كإدانة حاسمة. أم شغولة وابنة فتية ساعية في دراستها وموهبتها برسم الوشوم وابن فتي متبطر يحلم بالهجرة الى كندا بعد ان وعده والده المهاجر هناك. يعيش الثلاثي مع الجد المريض في كوخ معزول. انهم جزء من طبيعة مسالمة، غنية ومفعمة بالهدوء الرباني. هم كائنات عملية وعاملة اي انها تُنتج من اجل لقمة عيشها، خلافا لسمعة الغجر كسراقين وقوادين. يُشدد فليغوف على دعمه لحق هذه العائلة بالحلم والعمل والأمان، ولكن كلما تفرقت سبلهم يوحي نصه بصعوبة ان يجتمعوا ثانية، قبل الغدر بهم واغتيالهم على يد عنصريين محليين.
هذه الصعوبة ذاتها تمس حياة بطلة فيلم "باربرا" الحائز على جائزة افضل مخرج للالماني كريستيان بيتزولد، حيث يكون عسف الدولة التوتاليتارية متربصا بحريتها التي يجب ان تُقنن، ان لم توأد. بقيت هذه الجائزة للعام الثاني على التوالي محصورة بإنتاج ألماني، وتحكمت أحداثها كذلك ضمن وسط طبي وصحي. ففي العام الماضي حصد الجائزة ذاتها مواطنه أولريش كوليرعن شريطه "مرض النوم" الذي لفق حكاية خبير صحي يعمل في افريقيا للقضاء على مرض النوم الشائع هناك، بيد ان تورطه بعلاقة غرامية مع فتاة محلية وحملها بطفل منه، تقوده الى حتفه او هكذا يُلمح الفيلم الذي نال التكريم عن غير جدارة.
في جديد بيتزولد، الذي نال تقريظا نقديا واسع النطاق جعله المنافس الجدي لشريط الاخوين تافياني، تواجه الطبيبة المتمرسة باربرا (أداء نينا هوس) عقابا قاسيا لتجرؤها على طلب تأشيرة مغادرة أراضي المانيا الديمقراطية (الشرقية سابقا)، وتتحول المواطنة رفيعة المقام الى عدو مضمر، وتعاقب بالإبعاد عن برلين الى قرية معزولة سهلة الرصد والمحاصرة. هذا الفيلم دراسة محكمة ـ حسب صحيفة "فاراييتي" السينمائية المتخصصة ـ للكيفية التي تحول أفعال البشر الخاضعين للاشتباه، وبالذات طرق توددهم واسئلتهم وادعاءات الصداقة وافعال التودد المفاجئة، التي لايمكن تمييزها لاحقا عن لغة الاستجواب والتهديد. من هنا تتحول الصداقة التي يسعى لها زميلها اندريه معها الى قدر هائل من الشك وعدم اليقين بالاخرين، قبل ان تفقد البطلة الشابة ايمانها بنفسها وخططها و...ذلك الحب الذي خافت ان تشرع له روحها المضطربة الى الابد، بسبب نظرات عسس الـ"ستازي"(المخابرات الالمانية الشرقية) ومطارداتهم وتخويفهم الاسود للنفوس النقية.
زياد الخزاعي


