"مهرجان الخليج السينمائي الخامس" مفتوح على اختبارات متفرّقة ونقاشات نقدية

"مهرجان الخليج السينمائي الخامس" مفتوح على اختبارات متفرّقة ونقاشات نقدية

2012.04.16 - تكمن إحدى أبرز سمات الدورة الخامسة (10 - 16 نيسان/ أبريل 2012) لـ"مهرجان الخليج السينمائي" في منحها مخرجين خليجيين فرصة حقيقية للتعبير المباشر عن بعض هواجسهم العملية في الاشتغالات السينمائية المختلفة. ذلك أن الحوارات المفتوحة بين هؤلاء القادمين إلى دبي من مدن خليجية متفرّقة، جعلتهم يتصارحون بعضهم مع البعض الآخر، وبينهم وبين ضيوف هذه الدورة أيضاً، حول شتّى المسائل الفنية والجمالية والدرامية التي يهجسون بها. وإذا شكّلت أفلامهم أداة تعبير ما، إلاّ أن اللقاءات العديدة أتاحت لهم مناقشة أفلامهم، بطرحهم أسئلة العمل التقني، وعلاقة الكتابة بالتنفيذ الإبداعي، وكيفية استخدام الموسيقى والأزياء والديكورات، وغيرها من الفنون التقنية المهمّة. طرحوا الأسئلة، فبدوا "نقّاد" أنفسهم، بناء على وعيهم الواضح مآزق العمل السينمائي في بلادهم المحتاجة إلى بنى تحتية وثقافة سينمائية. بدوا منتبهين تماماً إلى معوقات تحول دون تأسيس حقيقيّ لسينما يتطلّعون إلى إنشائها وفقاً لـ"محليّة" تراثية، مطعّمة بانفتاح على النتاجات الإبداعية العربية والغربية. بدوا مستعدّين لمزيد من الاشتغال الذاتيّ، والتعاون بعضهم مع البعض الآخر، لإيجاد أرضية ثابتة تسمح ببناء عالم سينمائي متكامل ومتماسك.

لقطة من "بايسكال" للكردي العراقي رزكار حسين

بين النقاشات النقدية الصريحة، والأفلام المشاركة في المسابقات الرسمية الخاصّة بالأفلام الخليجية الطويلة والقصيرة، بالإضافة إلى أفلام الطلبة، مرّت الأيام الأولى من الدورة الخامسة للمهرجان، الهادف إلى بلورة مشروع سينمائي خليجي، وإلى تأمين حدّ أدنى من مقوّمات العمل والثقافة السينمائيين. القيّمون على المهرجان منتبهون إلى أن ما يفعلونه لا يكفي، لأن الحاجة ملحّة إلى معاهد سينمائية وثقافة فردية وجماعية وقناعة ذاتية بأهمية السينما والاجتهاد في تعلّم تقنياتها. شباب خليجيون قالوا واقعهم بصراحة تامة: هناك خلل سينمائي يبدأ بالكتابة، ويشمل المقوّمات التقنية والجمالية كلّها. هناك "هوس" بأن يكون الجميع مخرجين، في مقابل قلّة قليلة من الشباب المتحمّسين للعمل في تقنيات أخرى، كالتوليف والتأليف الموسيقيّ والإدارة الفنية والتصوير. هناك هوّة بين الدراما السينمائية واستخدام الموسيقى. هناك نقصّ في التثقيف السينمائي، في ظلّ غياب أدنى اهتمام بالأفلام غير التجارية البحتة، سواء في البرامج التلفزيونية، أم في برمجة العروض التجارية في الصالات العامّة. هناك رغبة في التدريب الميدانيّ، لكن غياب حركة سينمائية، كتلك الموجودة في دول الصناعات السينمائية (مصر، هوليوود، دول أوروبية عديدة)، يحول دون ذلك، علماً أن ورش العمل وحدها لا تكفي، وإن كانت قادرة على منحهم بعض التدريب الميدانيّ.

هذه نماذج خاصّة بالمناخ العام، المرافق لهذه الدورة الخامسة. نماذج خاصّة بنقاش حاصل في أروقة المهرجان، وخارجها أيضاً. نماذج مستلّة من الأفلام الخليجية المُشاركة، التي عكس بعضها القليل حيوية الإخراج، والعمل الجدّي في المجالات التقنية المختلفة. لكن هذا كلّه لا يتغاضى عن مسألة أساسية: في مقابل الخلل التقني والجمالي، برزت أهمية مواضيع عديدة، إنسانياً وسياسياً وحياتياً. أي أن التوازن بين الشكل والمضمون كان لمصلحة الثاني على الأول، في أغلب الأحيان. أبرز الأمثلة: فيلم الافتتاح "تورا بورا" للكويتي وليد العوضي. إنه حكاية أبوين كويتين يواجهان تحدّيات شتّى في رحلة بحثهما عن ابنهما المراهق، الملتحق حديثاً بتنظيم "القاعدة" في جبال "تورا بورا" في أفغانستان. رحلة مكشوفة على طبيعة خلاّبة وإن كانت قاسية، كـ"الطبيعة القاسية" لبعض البشر، ومنهم أولئك الذين تلطّوا وراء الدين الإسلامي لتنفيذ أعمال إجرامية. مشكلة الفيلم تقنية: معالجة درامية وتوليفاً وتمثيلاً ومساراً حكائياً. هناك أيضاً "خسوف"، الفيلم البحريني القصير لعبدالله السعداوي وأحمد الفردان: قصّة صديقين يواجهان تحدّيات الانغماس الخطر في الصراعات الطائفية والمذهبية، وسط تنامي ظواهر معادية للحياة الإنسانية الكريمة. غير أن هذين المثلين لا يُلغيان أمثلة جمعت الشكل بالمضمون، ضمن ظروف سعى عاملون سينمائيون عديدون لجعلها أفضل. في إطار الأفلام القصيرة، هناك "أصغر من السماء" للإماراتي عبدالله حسن أحمد، و"آخر قطرة نفط" (تحريك) للبحريني محمد جاسم، و"بايسكال" للكردي العراقي رزكار حسين، و"الفيل لونه أبيض" للإماراتي وليد الشحي، و"هنا لندن" للبحريني محمد بوعلي. بالإضافة إلى "نكرة" للسعوديّ عبد الرحمن عايل، على الرغم من أن مادته الدرامية متضمنة تعابير وسمات يمكنها منح الترجمة السينمائية غنّى جمالياً أكبر وأهمّ.

لقطة من "الفيل لونه أبيض" للإماراتي وليد الشحيالعلاقة بين فتاة وعصفورة (أصغر من السماء) تحوّلت إلى قراءة إنسانية في أحوال الدنيا، من خلال قصّة فردية، سعى الشقيقان عبدالله (المخرج) ومحمد (المؤلّف) لجعلها أكثر تجذّراً في العمق الإنساني، المُصوَّر (سمير كرم) بشفافية البوح، وحساسية اللحظة. هذه أسماء منتمية إلى مجموعة من الشباب الإماراتيين والخليجيين المهمومين بإيجاد أدوات تعبير سينمائي، وبتطوير ما لديهم من وعي معرفي وثقافة بصرية وحماسة سينمائية. هذه العناوين واضحة لدى البحريني محمد جاسم (آخر قطرة نفط): حرفية التحريك، المنبثقة من همّ إنساني أوسع (ماذا سيحدث عندما يجفّ باطن الأرض من النفط؟)، جعلت التقنية غلافاً لحكاية العلاقة القائمة بين الحياة والتطوّر الحضاري، والاستعانة بالجذور التراثية للناس. أما الصورة السينمائية الجميلة (تصوير هاوكار فرهاد) لـ"بايسكال"، فجزءٌ مُكمِّل لجمال الطبيعة والحكاية معاً: مراهق "مُغرم" بدرّاجة هوائية لا يستطيع شراءها، فيلجأ إلى ابن أحد الأثرياء الذي يملكها. ولكي يسمح له باستخدامها، يستغلّه بتحويله إلى "حمار" يمتطيه هو لملذّة الاعتداد بسطوته المعنوية. في الصراع الخفي بينهما، بعيداً عن أية إسقاطات إيديولوجية أو خطابية، قدّم رزكار حسين فيلماً انسجمت رؤيته الإنسانية مع أدوات التصوير والمونتاج والإضاءة. هذه أدوات أتقن الإماراتي وليد الشحي استخدامها دائماً، في أفلامه أو في تعاونه مع زملاء وأصدقاء تحلّقوا جميعهم حول مشروع تأسيس سينما إماراتية شبابية جديدة. ففي "الفيل لونه أبيض"، غاص الشحي (كعادته في معظم أفلامه السابقة) في ثنائية التورية البصرية وتكثيف الرمز الإنساني، من خلال حكاية الموت التقليدية. ذلك أن الموت قدر الإنسان، والشحي بدا مهموماً بهذا "الهاجس الحياتي". ولعلّ "هنا لندن" (إنتاج بحريني إماراتي مشترك، 2012) يرسم صورة إضافية عن النقاش السينمائي الخليجي الآنف الذكر، من خلال المؤلّف الموسيقيّ محمد حداد، الذي قدّم شهادة واقعية عن المعاناة الحقيقية الكامنة في علاقة الغالبية الساحقة من المخرجين الشباب بالموسيقى في أفلامهم. قصّة الفيلم بسيطة: رغب الأبوان في إرسال صورة لهما إلى ابنهما المقيم في لندن. لكن رفض الأم الذهاب إلى الاستديو يحول دون إتمام المهمّة بسهولة. أي أن محمد بوعلي جعل نصّه البصريّ قراءة إنسانية تبدأ بعلاقة الأبوين بابنهما، وتمرّ في مغزى الهجرة والتواصل، وتكاد لا تنتهي عند معنى الصورة (المُصوّر الفوتوغرافي يجتهد لالتقاط الصورة إزاء إصرار الأم على الرفض). لعبة سينمائية جميلة، في مقاربتها حكاية بسيطة. أما "نكرة"، فموغل في التباس الحالة التي أصابت شاباً مقيماً على جسر مشاة. التصوير (عمرو العماري) التقط نبض الإحباط والملل والتساؤلات المعتملة في ذات الشاب (تمثيل عبد العزيز الأحمد)، لكن الاستناد المطلق للنصّ على سرد الراوي تفاصيل الأسئلة والهموم، أضعف من البنية الأساسية الجميلة للحكاية وحبكتها الدرامية.

لائحة الأفلام المُشاركة في المسابقات الخليجية المختلفة، كما في البرامج الأخرى (المسابقة الدولية، أضواء، تقاطعات، إلخ)، طويلة. لكن النماذج السابقة تعكس بعض هموم جيل شبابي ساع، بنشاط وحيوية وحماسة، لجعل الصورة السينمائية أفضل تعبير، وأجمل تصوير لحالات وحكايات وتفاصيل.

نديم جرجوره

سينما عربية