كان 2012: دورة مضمونة بالكبار
2012.04.21 - حققت السينما المصرية اختراقاً نادراً ومتأخراً مع إعلان إدارة مهرجان كان السينمائي أسماء الأفلام المتنافسة على السعفة الذهب، ضمن الدورة الخامسة والستين التي تنعقد ما بين 16 و27 أيار/مايو، ويرأس لجنة تحكيمها المخرج الإيطالي ناني موريتي (له "غرفة الابن"2001 و"لدينا حبر أعظم"2011)، وتضمنت جديد صاحب "مرسيدس"(1993) و"باب الشمس"(2003) و"جنينة الاسماك"(2008) المخرج المميز يسري نصر الله، والذي حمل عنواناً مسيسا هو "بعد الموقعة"، ليتنافس مع قامات عالمية على شاكلة البريطاني كين لوتش والايراني عباس كياروستامي والفرنسي جاك اوديار والاميركي دايفيد كروننبرغ والنمسوي ميشيل هانيكه وغيرهم.

يرصد نص نصر الله تسارع المتغيرات السياسية في الوسط القاهري بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، من خلال انعكاساتها على ثلاث شخصيات هي ريم ومحمود وفاطمة التي حمل العنوان الاصلي للفيلم اسماءهم، قبل تغييره الى "بعد الموقعة"، في إشارة إلى اليوم المشؤوم الذي دفع فيه أزلام الرئيس السابق فلولاً من المجرمين لمداهمة ميدان التحرير، والهجوم على المعتصمين فيه، والذي سُميّ بـ"موقعة الجمل"، حيث استخدم المهاجمون جمالاً وخيولاً ما اعتبره المراقبون بداية انهيار النظام البائد. وللفيلم ثلاث حكايات، تدور أبرزها حول ناشطة سياسية تدعى ريم (منة شلبي) تعمل في احدى شركات الإعلانات، وتواجه رهاناً شخصياً مع قرار الشركة تنفيذ حملة توعية مع حشد من الكومبارس، فيما يواجه الزوجان محمود (باسم سمرة) وفاطمة (ناهد السباعي) عسراً عائلياً نظراً لفقرهما وفشل الاول في تأمين لقمة العيش، إشارة الى الخضم الطبقي في مصر المعاصرة. وأضاف نصر الله شخصية رابعة لسيدة تهتم بحقوق الحيوان، قبل ان تكتشف حقيقة مرّة عمادها ان الانسان في مصر لم ينل أدنى حقوقه المدنية! نشير الى ان المشاركة العربية تتضمن العمل الأخير للمخرج المغربي نبيل عيوش "جياد الله" والذي سيعرض ضمن خانة "نظرة ما" الموازية، إضافة الى مساهمة صاحب "يد إلهية" و"الزمن الباقي" الفلسطيني إيليا سليمان ضمن الفيلم الجماعي "7 أيام في هافانا" مع ستة مخرجين عالميين آخرين من بينهم الإسباني خوليو ميديم والفرنسي لوران كانتيه.
وعلى المنوال الإجتماعي المسيّس هذا، يشارك صاحب "الريح التي هزت حقل الشعير" (السعفة الذهب عام 2006) و"البحث عن إريك"(2009) المخرج البريطاني المميز كين لوتش بعمله الروائي السابع والعشرين الذي يحمل عنواناً تهكمياً هو "حصة الملائكة" الذي يأتي مباشرة بعد تنافسه قبل عامين بـ"طريق إيرلندية" حول الحرب في العراق. والفيلم الجديد هو كوميديا سوداء حول أب اسكتلندي شاب يفلت من السجن بأعجوبة، ويعيش على هامش اجتماعي ضاغط بفقره وعوزه. تنقلب حياته حينما يزور، مع مجموعة من اصدقائه العاطلين عن العمل، مصنعاً لشراب الويسكي الشعبي، حيث تتضح لهم جميعا معالم فرصة ذهبية لتغيير حياتهم نحو الافضل والى الابد. هذا الانقلاب سيكون محور حياة البطل الشاب في الشريط الجديد للمخرج الفرنسي جاك اوديار "صدأ وعظام" الذي اقتبسه عن مجموعة قصصية للكاتب الكندي كريغ دايفيدسن، ويأتي مكملا في تعزيز مكانة هذا المخرج النبيه الذي عَرف شهرة عالمية كاسحة مع عمله الباهر "نبي" (الجائزة الكبرى للجنة تحكيم دورة عام 2010). هذه المرّة، تكون حياة شاب ساذج وعاطل عن العمل يهوى الملاكمة (تمثيل البلجيكي ماثياس شوينارتس الذي تألق في شريط "رأس ثور" لمواطنه ميخائيل روسكام العام الماضي) على محك التغيير العاطفي الحاسم، حينما يقع في حب مدربة حيتان (ماريون كوتيار)، لينتقل من عنف الحلبات والحياة الهامشية الى قلب المعاني الحسية الجديدة لأواصر العشق ومودات الأحبة وجماعيتها، قبل ان يتدخل قدر أحمق ليمتحن ارادتيهما. فرنسياً، هناك مشاركة المخرج المخضرم ألان رينيه "انتم لم تروا شيئا بعد" الذي استلهم فيه خيطا دراميا من مسرحية مواطنه جان أنوي "يوريديس" التي كتبها عام 1941. بيد ان صاحب "حبيبتي هيروشيما"(1959) و"العام الاخير في ميرنباد"(1961)، يضع اللحظة الشخصية لمجموعة من الممثلين الذين يجتمعون في بيت كاتب مسرحي توفي اخيرا، للاطلاع على وصيته التي يطلب فيها من كل واحد منهم تفسير أدائي لنص أنوي. ونشير الى ان فيلم الختام سيكون من حصة مواطنهما المخرج كلود ميلر "تيريز دي"، وهو آخر اعماله قبل وفاته في الرابع من نيسان/أبريل الجاري، واقتبسه عن رواية فرانسوا مورياك ومن بطولة أودري توتو، وهي المعالجة السينمائية الثانية بعد أفلمة المخرج جورج فرنجو الشهيرة في العام 1962، حول شابة متنورة تتزوج شخصا عاديا في فرنسا العشرينات، فيدب القنوط في كيانها وحياتها، وتقرر الانعتاق عبر تسميم الزوج والهروب! أما شريط الإفتتاح فسيكون من توقيع الأميركي ويس أندرسن، وهو كوميديا خلاقة حملت عنوان "مملكة بزوغ القمر" مع بروس ويليس وادوارد نورتن.
انقلاب حياتي اخر، يقوده الإيراني الكبير عباس كياروستامي في عمله الأخير "مثل امرىء عاشق". وبدلا من بلدات وسط ايطاليا البهية التي كانت محيط علاقة الحب المختلقة في نصه "نسخة طبق الأصل"(2010)، يذهب صاحب " اين منزل صديقي؟"(1978) و"طعم الكرز"(1997) الى طوكيو حيث نلتقي بالطالبة الحسناء أكيكو (الممثلة رن تاكاناشي) التي تمتهن البغاء من أجل تأمين مصاريف دراستها، قبل ان تتحول قناعاتها وكينونتها، حينما تلتقي بزبون غير عادي، هو رجل أكاديمي في خريف عمره، لتنشأ علاقة غير محسوبة العواقب إنما استثنائية! وهذه الكلمة الاخيرة هي المفتاح الدرامي في جديد صاحب "عازفة البيانو"(2001) و"الشريط الابيض"(السعفة الذهب عام 2009) المخرج النمسوي ميشيل هانيكه "حب" الذي يدرس المحنة الشخصية لأستاذ الموسيقى المتقاعد جورج (جان ـ لوي ترينتينيان) ومواجهته استحقاقات الموت والذاكرة والوله الذي يشع في دواخله، اثر تعرض زوجته آنا (ايمانويل ريفا) البالغة الثمانين من عمرها الى جلطة قلبية، في وقت تكون فيه ابنتها (إيزابيل أوبير) بعيدة عنهما، ليكون عليهما تجاوز المحنة والقلق وحيدين في عالم أناني ومغلق. نمسوياً، يعود المخرج السجالي أولريش سيدل (ولد عام 1951، وله "ايام قائظة"2001 و"إستيراد/ تصدير"2007) بعد غياب طويل الى الشاشة بنصه الذي احاط اتمامه بسرية مقصودة، ويحمل عنوانا ملتبسا هو "جنة: حب" وهو عبارة عن ثلاث حكايات، الاولى عنوانها "ماما شوكر" حول الام تيريزا التي تعمل مشرفة صحية للمعاقين، تقرر السفر الى كينيا بحثا عن إشباع جنسي مع رجال أفارقة، والحكاية الثانية تدور حول ابنتها ميليني البدينة التي تقرر استغلال غياب امها من اجل تخسيس وزنها في مخيم صيفي، وبدلا من ذلك تقع في حب مدير المخيم الذي يرفض عواطفها! الحكاية الاخيرة وعنوانها "جنة" تجمع شابات برجال هرمين ونساء عجائز بشباب ذكور، ليتحامل على قناعتنا بشأن الحب والجنس والمجتمع وصناعة الجسد!
عالم مغرق بالانانية يحيط ببطل شريط "المطاردة" للمخرج الدنماركي توماس فينتربرغ، احد مؤسسي تيار "دوغما 95" مع مواطنه لارس فن ترييه (له "المسيح الدجال"2009 و"ميلانكوليا"2011)، وفيه يفلح البطل لوكاس (الممثل مادس ميكلسين) في توضيب حياته وإمساكه بمقدراتها اثر طلاقه من زيجة فاشلة، ويحصل لاحقا على عمل مجزٍ وصديقة جديدة، ويحقق تقاربا مضطردا مع ابنه، بيد ان كذبة صغيرة يرتكبها، تحيل الجميع الى اعداء للعائلة الجديدة، متعجلين للانتقام باي ثمن، ويكون على الشاب الاربعيني ان يكافح من اجل سمعته وكرامته وحياته.
وفيما يحكي فيلم المخرج الاميركي جيف نيكولاس "طمى" عن مساعي صبيين يافعين إلى انقاذ شاب هارب من معتقله (النجم ماثيو ماك كونوهي) وتسهيل امر انتقاله الى جزيرة وسط المسيسبي، يسرد صاحب الشريط المميز "بريشيس" المخرج لي دانييلز في نصه الاخير "الصبي الورقي" حكاية الذّود الذي تسعى فيه صحافية (نيكول كيدمان) بمساعدة زميلين لها لانقاذ رجل (جاك كوتشاك) من الاعدام.
الى ذلك يعود زميلهما الروماني كريستيان مونجيو الذي حاز السعفة الذهب عام 2007 عن رائعته "4 اشهر و3 اسابيع ويومان" الى ثيمة الصداقة وعرفانها التي شعّ بها فيلمه السابق الذي حصد مديحا نقديا وكرس سمعة هذا المخرج المتقشف في رؤاه كواحد من مجددي السينما الاوروبية. في عمله الاخير "خلف التلال" الذي اقتبسه عن رواية الكاتبة تاتيانا نيكولشيسكو بران، يستعرض محاولة الشابة ألينا التي استقرت منذ زمن في المانيا لاقناع صديقة عمرها فوتشيتا، التي انضمت الى الرهبنة، في مرافقتها الى حياة جديدة اكثر ثراء واحتفاء بالحياة، لكن الاخيرة تصرّ على إيمانها ووعدها الدينيين. ومع تصاعد هوسها بـ"عتق" الصديقة، تتحول البطلة الى عدو شرس للقس الشاب، وتسعى الى الايقاع به من اجل تدمير سمعته وايمانه. تقع ألينا فريسة شكوكها، ولا يجد اهل الدير سوى شدّ وثاقها وطرد الارواح الشريرة التي سكنتها. هنا، تعي فوتشيتا حجم التضحية التي تقوم بها الصديقة وتقرر انقاذها، لكن بعد فوات الاوان.
المخرج الايطالي ماتيو غاروني الذي اكتسح السوق العالمي بنصه العنيف "غومورا"(الجائزة الكبرى للجنة تحكيم كان 2008)، يعود للمسابقة بعمل كوميدي قاتم يحمل عنوانا تهكميا هو "واقعي" ويتحامل فيه على صرعة برامج "تلفزيون الواقع" التي تجد اقبالا منقطع النظير في البلاد، مغرية الملايين بكذبة الثراء السريع الذي تتيحه المشاركة في سباقاتها الاستفزازية. انها حكاية حقيقية لبائع اسماك يضع اولويات حلمه في انهاء ضناه الشخصي بالعمل اليومي، عبر الاشتراك بمسابقة "بيغ براذر" (الاخ الاكبر) للحصول على اموال الفوز باي ثمن، حتى لو كانت على حساب شرفه العائلي! هذا الحلم، يصوره زميله المقل والذي يصفه النقاد بـ"طفل السينما الفرنسية العاق" ليو كراكس في "موتورات (سيارات) مقدسة" لكن من باب اكثر تفلسفا. فصاحب "عشاق جسر بوان نوف"(1991) يحول ارتحالات بطله الشاب الذي يحمل اسمه حرفي "أل دي" عبر ازمنة متعددة، ليقف مساجلا في معاني ان يكون المرء يافعا اوهرما، اومناقشا المسوغات الغامضة في تحولاته الغريبة تارة كرجل او اخرى كامرأة، ليشتم بها قناعات الكائن المعاصر حول الموت، العوز، الغنى، الصبا، الخرف، الجسد، الرغبة وغيرها.
هذه التقابلات الشديدة الرمزية، يحيك منها صاحب "الذبابة "(1986) و"تاريخ العنف"(2005) و"وعود شرقية"(2007) المخرج الكندي ديفيد كرونينبرغ قصا هداما يتحامل فيه على مجتمع شديد الانانية وشخصيات عديمة الضمائر في عمله "كوزموبوليس" الذي اقتبسه عن رواية ذائعة الصيت للكاتب دون ديليلو، ويسرد فيها يوما واحدا في حياة الشاب المليونير اريك باكر (روبرت باتنسون) الذي يسعى الى اختراق مانهاتن لقص شعره وهو يسوق سيارته الفارهة، بيد ان شخصيات غريبة تدخل في مساراته، وتحيل رحلته الى حج مليء بالدم والعنف والجنس الفاحش. وهذا الاخير نراه بوفرة في عمل المخرج الكوري الجنوبي إم سانغ سو "طعم المال" الذي يستكمل فيه ما بدأه في "مدبرة المنزل"(مسابقة كان 2010) في ما يخص الانتقام الذي يقوم به شخص موظف ضد مرؤوسه. ففي حالة الشريط الثاني، نشهد الشغف الجنسي الذي يحرض الشابة على تصفية الزوج الشاب الثري الذي استعبدها جنسيا، اما في "طعم المال" فتتركز الاحداث على الشاب جوو يونغ ـ جاك الذي يعمل سكرتيرا لرّب عائلة شديدة الثراء، قبل ان يكشف قدوم الابنة الوريثة عن شذوذ الرجلين، وما يتبعه من سفك دم. نشير الى ان هناك مشاركة كورية جنوبية اخرى ضمن المسابقة للمخرج هونغ سانغ ـ سو عنوانها "في بلاد اخرى" من بطولة النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير لم يتسرب شيء عن حكايته واحداثها. وسبق لهذا المؤلف السينمائي الشهير في بلاده ان حاز على جائزة خانة "نظرة ما" عام 2010 عن شريطه الكوميدي "هاهاها". في السياق نفسه، نجد ايضا صدى سينمائي لحالات العنف في شريط المخرج النيوزلندي الاصل اندرو دومينيك "اقتلهم برقة" الذي يجسد فيه النجم الاميركي براد بت دور رجل أمن يحقق في مطاردة عصابة تمتهن النصب على مهووسي قمار. وكان الثنائي بت ـ دومينيك تعاونا عام 2007 في انجاز شريط رعاة بقر حمل بصمة شعرية غير مألوفة هو "اغتيال جيسي جيمس على يد الوغد روبرت فورد".
من اميركا اللاتينية، تأتي مشاركتان بارزتان على قدر كبير من الوعود السينمائية. الاولى للمكسيكي الفذّ كارلوس ريغاداس "ضوء بعد ظلمة"، يصور فيه بنفس تجريبي اقاماته التي جال فيها عواصم العالم مصطحبا والده الدبلوماسي، ويحيك قصصا عن ذاكرته وتراكم معارفه وثقافته بالامم وحضاراتها. صاحب "محطة القطارات المركزية"(1998) و"مذكرات دراجة نارية"(2004) البرازيلي والتر ساليس يشارك بنص اقتبسه عن كتاب مؤسس تيار الـ"بِيت" الاميركي جاك كيرواك "على سفر"، هناك إصرار عربي مزمن على ترجمته خطأ بـ"على الطريق" الذي يستغفل معنى حركية القلق الشخصي للابطال والحكاية برّمتها. وهذه الحركية هي التي تقود كل من البطلين دين وسال الى الانغمار في الانقلاب الاميركي الكبير خلال الستينات، عبر لقاءات نارية مع شخصيات متشظية، في نص باهر عصيّ على التصنيف. من روسيا، يشارك المخرج سيرغيه لوزينتسا، الذي فاجأ الجميع في الكروازيت عام 2010 بعمله "يا مهجتي"، بعمل يعود الى حقبة الحرب العالمية الثانية وحمل عنوان "في الضباب"، واقتبسه عن رواية للكاتب فاسيلي بايكوف، معيدا بناء تاريخ شخصي مرير ودموي لبطله الشاب الذي يعمل في السكة الحديدية، قبل ان يأسره النازيون عام 1942 مع مجموعة كبيرة من اهالي قريته. تقع الطامة الشخصية على كيانه، حينما يقرر القائد الالماني اطلاق سراحه من دون سبب واضح، في الوقت الذي تصرع فيه رصاصات المحتل اجساد ابناء قريته واصدقائه ضمن موقعة اعدامات جماعية. يؤدي انعتاقه الذي وقع بالصدفة البحتة الى انتشار اشاعة بين اقرانه تتهمه بالخيانة والتعامل مع النازي، ويطاردوه من اجل القصاص منه. وفي لحظة قدرية يجد نفسه في مواجهة عدوه المصاب، ليكون عليه ان يختار القرار القاهر والمرير!
زياد الخزاعي


